السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٠٢ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
و فيه أن هذا واضح إذا كان أنشأ ذلك في ذلك الوقت، و أما إذا كان عمله قبل مجيئه كما هو ظاهر ما تقدم أنه عمل تلك القصيدة التي من جملتها ما ذكر فلا، فعند ذلك غضب الأنصار، فمدحهم بالقصيدة التي مطلعها.
من سره كرم الحياة فلا يزل* * * في مقنب من صالحي الأنصار
أي و يقال إنه (صلى اللّه عليه و سلم) هو الذي حضه على مدحهم و قال له لما أنشد: بانت سعاد، و رآها (صلى اللّه عليه و سلم) مشتملة على مدح المهاجرين دون الأنصار: لو لا: أي هلا ذكرت الأنصار بخير، فإن الأنصار أهل لذلك؟ أي و لما أنشده (صلى اللّه عليه و سلم) بانت سعاد و قال:
إن الرسول لسيف يستضاء به* * * مهند من سيوف اللّه مسلول
ألقى (صلى اللّه عليه و سلم) بردة كانت عليه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قد اشتراها معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنهما من آل كعب بمال كثير، أي بعد أن دفع لكعب فيها عشرة آلاف، فقال:
ما كنت لأوثر بثوب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أحدا، فلما مات كعب رضي اللّه تعالى عنه أخذها من ورثته بعشرين ألفا، و توارثها خلفاء بني أمية، ثم خلفاء بني العباس. اشتراها السفاح أول خلفاء بني العباس بثلاثمائة دينار بعد انقراض دولة بني أمية، أي و كانوا يطرحونها على أكتافهم جلوسا و ركوبا، و كانت على المقتدر حين قتل و تلوثت بالدم.
و يقال إن التي كانت عند بني العباس بردته (صلى اللّه عليه و سلم) التي أعطاها لأهل أيلة مع كتابه الذي كتبه لهم أمانا و ذلك في غزوة تبوك، و حينئذ تكون بردة كعب رضي اللّه تعالى عنه فقدت عند زوال دولة بني أمية. و أما هذه البردة فلعل فقدها كان في فتنة التتار.
ثم رأيت ابن كثير (رحمه اللّه) قال: إن معاوية رضي اللّه تعالى عنه اشترى البردة التي كانت عند الخلفاء من أهل كعب بأربعين ألف درهم توارثها الخلفاء الأمويون و العباسيون حتى أخذها التتر منهم سنة أخذ بغداد. و قال: هذا من الأمور المشهورة جدا، و لكني لم أر ذلك في شيء من الكتب بإسناد أرتضيه. و صار كعب رضي اللّه تعالى عنه من شعرائه (صلى اللّه عليه و سلم) الذين يذبون عن الإسلام كعبد اللّه بن رواحة و حسان بن ثابت رضي اللّه تعالى عنهما.
و لما قدم (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة من تبوك في رمضان قدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف.
و كان من خبرهم أنه لما انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن محاصرتهم تبع أثره عروة بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه حتى أدركه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، و سأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إنهم قاتلوك، فقال له عروة: يا رسول اللّه أنا أحب إليهم من أبكارهم: أي أول أولادهم. و في رواية: من أبصارهم، فخرج رضي اللّه تعالى عنه يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمرتبته فيهم، أي لأنه رضي اللّه تعالى عنه كان فيهم محببا مطاعا، فلما