السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٠٣ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
أشرف لهم على علية و دعاهم إلى الإسلام و أظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل جانب فأصابه سهم فقتله.
و في لفظ: أنه رضي اللّه تعالى عنه قدم الطائف عشاء، فجاءته ثقيف يسلمون عليه، فدعاهم إلى الإسلام و نصح لهم فعصوه و أسمعوه من الأذى ما لم يكن يغشاه منهم، فخرجوا من عنده حتى إذا كان السحر و طلع الفجر قام على غرفة في داره و تشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله، فقيل له قبل أن يموت: ما ترى في دمك؟ فقال: كرامة أكرمني اللّه بها، و شهادة ساقها اللّه إلى فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم، و قال في حقه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن مثله في قومه كمثل صاحب يس إنه قال لقومه:
اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [يس: الآية ٢٠] الآيات فقتله قومه» أي المذكورة في سورة يس و هو حبيب بن بري.
و قال السهيلي: يحتمل أن المراد به صاحب إلياس، فإن إلياس يقال في اسمه يس أيضا. و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم) مثل هذه المقالة في حق شخص آخر يقال له قرة بن حصين أو ابن الحارث، بعثه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى هلال بن عامر يدعوهم إلى الإسلام فقتلوه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «مثله مثل صاحب يس».
ثم إن ثقيفا أقامت بعد قتل عروة شهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، و رأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب و قد أسلموا. فأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رجلا، فكلموا عبد ياليل بن عمرو و كان في سن عروة بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه في ذلك، فأبي أن يفعل، لأنه خشي أن يفعل به كما فعل بعروة. و قيل كلموا مسعود بن عبد ياليل و نسب قائله إلى الغلط، فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا فبعثوا معه خمسة أنفار منهم شرحبيل بن غيلان أحد أشراف ثقيف، أسلم غيلان بالغين المعجمة على عشر نسوة، و ممن أسلم على عشر نسوة أيضا عروة بن مسعود، و كذلك مسعود بن معتب، و مسعود بن عمير، و سفيان بن عبد اللّه، و أبو عقيل مسعود بن عامر، و كلهم من ثقيف.
و يقال: وفد عليه (صلى اللّه عليه و سلم) تسعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف، فيهم كنانة بن عبد ياليل و هو رأسهم يومئذ، و فيهم عثمان بن أبي العاص و هو أصغرهم، فلما قربوا من المدينة لقوا المغيرة بن شعبة الثقفي، فذهب مسرعا ليبشر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه فأخبره، فقال له أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه: أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى أكون أنا أحدثه ففعل، فدخل أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة أي و علمهم رضي اللّه تعالى عنه كيف يحيون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأبوا إلا تحية