السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٠١ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
(صلى اللّه عليه و سلم)، و رأى زهير والدهما رضي اللّه تعالى عنهما أنه قد مد بسبب من السماء، و أنه مد يده ليتناوله ففاته، فأوله بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) الذي يبعث في آخر الزمان و أنه لا يدركه و أخبر بنيه بذلك و أوصاهم إن أدركوا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن يسلموا، و لما اتصل خبر إسلام بجير بأخيه كعب أغضبه ذلك، فلما كان منصرفه (صلى اللّه عليه و سلم) من الطائف كتب بجير رضي اللّه تعالى عنه إلى أخيه كعب بن زهير- و كان ممن يهجو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)- يخبره بفتح مكة و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قتل بها رجالا ممن كان يهجوه من شعراء قريش، و هرب بعضهم في كل وجه كابن الزبعرى و هبيرة بن أبي وهب و أنه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله: فإن كان لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فإنه لا يقتل أحدا جاء تائبا، و لا يطالبه بما تقدم الإسلام، و إن أنت لم تفعل فانج إلى نجاتك.
و في تصحيح الأنساب لابن أبي الفوارس أن زهير بن أبي سلمى قال لأولاده:
أني رأيت في المنام سببا ألقي إليّ من السماء، فمددت يدي لأتناوله ففاتني، فأولته أنه النبي الذي يبعث في هذا الزمان و أنا لا أدركه، فمن أدركه منكم فليصدّقه و ليتبعه ليهتدي به، فلما بعث اللّه محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) آمن به ابنه بجير و أقام كعب ابنه على الشرك و التشبيب بأم هانئ بنت أبي طالب رضي اللّه تعالى عنها، فبلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك، فقال: لئن وقع كعب في يديّ لأقطعن لسانه الحديث.
أي و لا مانع أن يكون ضم إلى هذا هجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض، و أرجف به أعداؤه، و صاروا يقولون هو مقتول لا محالة، فلم يجد بدا من مجيئه إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فعمل القصيدة التي مدح بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ذكر فيها إرجاف أعدائه به رضي اللّه تعالى عنه التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
ثم خرج رضي اللّه تعالى عنه حتى قدم المدينة فنزل على رجل كان بينه و بينه معرفة، فغدا به إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين صلى الصبح، فأشار له ذلك الرجل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: هذا رسول اللّه، فقم إليه و استأمنه، فقام إلى أن جلس إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و وضع يده في يده و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أي و من حضره لا يعرفه، فقال: يا رسول اللّه إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): نعم، فقال: يا رسول اللّه أنا كعب بن زهير، فوثب رجل من الأنصار، فقال: يا رسول اللّه دعني و عدو اللّه أضرب عنقه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): دعه عنك فإنه قد جاء تائبا نازعا، فلما أنشد القصيدة المذكورة و مدح فيها المهاجرين و لم يتعرض للأنصار، قيل حمله على ذلك ما سمعه من ذلك الأنصاري مما غاظه، و لم يسمع من المهاجرين شيئا يغيظه.