السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩٥ - باب يذكر فيه مدة مرضه، و ما وقع فيه، و وفاته
فرحا شديدا، ثم جلس (صلى اللّه عليه و سلم) في مصلاه يحدثهم حتى أضحى، ثم قام (صلى اللّه عليه و سلم) إلى بيته فلم يتفرق الناس من مجلسهم حتى سمعوا صياح الناس، و هبّ يقلب الماء ظنا أنه غشي عليه و ابتدر المسلمون الباب فسبقهم العباس رضي اللّه تعالى عنه، فدخل و أغلق الباب دونهم. فلم يلبث أن خرج إليهم فنعى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). فقالوا: يا عباس ما أدركت منه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ فقال: أدركته و هو يقول: جلال ربي الرفيع، قد بلغت، ثم قضى، فكان هذا آخر شيء تكلم به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم رأيته في الإمتاع نقل هذا القول الذي قدمته عن البيهقي.
و ذكر في رواية أخرى: لم يزل أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يصلي بالناس حتى كانت ليلة الاثنين، فأقلع عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الوعك و أصبح مفيقا، فعمد إلى صلاة الصبح يتوكأ على الفضل و على غلام له يدعى ثوبان، و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بينهما، و قد شهد الناس مع أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه ركعة من صلاة الصبح، و قام ليأتي بالركعة الأخرى، فجاء إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و الناس ينفرجون له حتى قام إلى جنب أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه فاستأخر أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بثوبه فقدمه في مصلاه و جلس (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما فرغ أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه من صلاته أتمّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الركعة الأخيرة. ثم انصرف إلى جذع من جذوع المسجد فجلس إلى ذلك الجذع، و اجتمع إليه المسلمون يسلمون عليه و يدعون له بالعافية ثم قام (صلى اللّه عليه و سلم) فدخل إلى بيت عائشة، و دخل أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه على عائشة رضي اللّه تعالى عنها، و قال: الحمد للّه قد أصبح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) معافى، و أرجو أن يكون اللّه عز و جل قد شفاه، ثم ركب رضي اللّه تعالى عنه فلحق بأهله بالسنح، و انقلبت كل امرأة من نسائه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى بيتها، فلما دخل (صلى اللّه عليه و سلم) اشتد عليه الوعك، فرجع إليه من كان ذهب من نسائه، و أخذ في الموت فصار يغمى عليه ثم يفيق و يشخص بصره إلى السماء، فيقول في الرفيق الأعلى الإله، و كان عنده (صلى اللّه عليه و سلم) و قد اشتدّ به الأمر قدح فيه ماء، و في لفظ بدل قدح علباء و في لفظ ركوة فيها ماء فلما اشتدّ عليه (صلى اللّه عليه و سلم) الأمر صار يدخل يده الشريفة في القدح ثم يمسح وجهه الشريف بالماء و يقول: «اللهم أعني على سكرات الموت» أي غمراته، و عن فاطمة رضي اللّه تعالى عنها: «صار (صلى اللّه عليه و سلم) لما يغشاه الكرب و تقول و اكرب أبتاه يقول لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ليس على أبيك كرب بعد اليوم».
أقول: و جاء: «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: وا كرباه، و قال: لا إله إلا اللّه، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرة الموت» و في رواية: «اللهم أعني على كرب الموت» و الحكمة في ذلك، أي فيما شوهد من شدة ما لقي من الكرب عند الموت تسلية أمته (صلى اللّه عليه و سلم) إذا وقع لأحد منهم شيء من ذلك عند الموت. و من ثم قالت عائشة