السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١٥ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
و الذي رآه منه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه رأى في المنام أن في يده سوارين من ذهب قال:
فأهمني شأنهما فأوحى اللّه إلى في المنام: أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي: أي و هما طليحة العبسي صاحب صنعاء، و مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة، فإن كلا منهما ادعى النبوة في حياته (صلى اللّه عليه و سلم). و كان طليحة العبسي يقول: إن ملكا كان يقال له ذو النون يأتيني كما يأتي جبريل محمدا، فلما بلغه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك، قال: لقد ذكر ملكا عظيما في السماء يقال له ذو النون. و جمع بعضهم بين هذا الذي في الصحيحين و ما هنا بأنه يجوز أن يكون مسيلمة قدم مرتين:
الأولى كان تابعا و من ثم كان في حفظ الرحال، و الثانية كان متبوعا و لم يحضر أنفة منه و استكبارا، و عامله (صلى اللّه عليه و سلم) معاملة الإكرام على عادته (صلى اللّه عليه و سلم) في الاستئلاف فأتى إلى قومه و هو فيهم كذا قيل.
و لا يخفى أن قوله و لم يحضر يقتضي أنه لم يجىء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في المرتين، و تقدم أنه جاء إليه (صلى اللّه عليه و سلم) و هم يسترونه بالثياب، و هذا: أي ستره بالثياب و هو المناسب لكونه متبوعا ثم صار مسيلمة لعنه اللّه يتكلم بالهذيان يضاهي به القرآن. فمن ذلك قوله قبحه اللّه: لقد أنعم اللّه على الحبلى، أخرج منها نسمه تسعى من بين شغاف وحشا، و قال: و الطاحنات طحنا. و العاجنات عجنا. و الخابزات خبزا. و الثاردات ثردا. و اللاقمات لقما. و وضع عنهم الصلاة، و أحل لهم الخمر و الزنا. و قيل إنه لعنه اللّه طلب منه أن يتفل في بئر تبركا ففعل فملح ماؤها. و مسح رأس صبي فصار أقرع قرعا فاحشا. و دعا لرجل في بنين له بالبركة فيهما، فرجع الرجل إلى منزله فوجد أحدهما قد سقط في بئر و الآخر أكلة الذئب. و مسح على عيني رجل للاستشفاء بمسحة فابيضت عيناه، فعل ذلك مضاهاة للنبي (صلى اللّه عليه و سلم). و هذا السياق يرشد إلى أنه كان برأس ذلك الصبي قرع يسير فمسح عليه للاستشفاء، ثم أظهر معجزة بزعمه. و هو أنه أدخل بيضة في قارورة و افتضح بأن البيضة بنت يومها إذا ألقيت في الخل و النوشادر يوما و ليلة فإنها تمتد كالخيط. فتعجل في القارورة و يصب عليها ماء فتجمد، و بهذا يردّ على من رثاه من بني حنيفة بقوله:
لهفي عليك أبا ثمامة* * * كم آية لك فيهمو
كالشمس تطلع من غمامه
فيقال له: كذبت، بل كانت آياته معكوسة.
قال: و كتب مسيلمة قبحه اللّه إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كتابا فقال: من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه، أما بعد- فإني قد أشركت في الأمر معك و إن لنا نصف الأمر، و ليس قريش قوما يعدلون، و بعث رجلين. فكتب إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى مسيلمة الكذاب سلام على من