السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١٧ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
هذا كلامه. و قيل بقي إلى خلافة عمر رضي اللّه تعالى عنهما.
و منها وفود عدي بن حاتم الطائي. حدث عديّ رضي اللّه تعالى عنه قال: كنت امرأ شريفا في قومي، آخذ المرباع من الغنائم كما هو عادة سادات العرب في الجاهلية: أي و هو ربع الغنيمة كما تقدم، فلما سمعت برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كرهته، ما من رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين سمع به مني، فقلت لغلام كان راعيا لإبلي: لا أبا لك اعزل من إبلي أجمالا ذللا سمانا، فاحتسبها قريبا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطىء هذه البلاد فآذني ففعل، ثم إنه أتاني ذات يوم، فقال يا عديّ ما كنت صانعا إذا غشيك محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد. فقلت له قرب لي أجمالي، فقرّبها فاحتملت أهلي و ولدي، و التحقت بأهل ديني من النصارى بالشام، و خلفت بنتا لحاتم في الحاضر، فأصيبت فيمن أصيب: أي سبيت فيمن أصيب من الحاضر، فلما قدمت في السبايا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هربي إلى الشام منّ عليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كساها، و حملها، و أعطاها نفقة، و خرجت إلى أن قدمت عليّ الشام، فو اللّه إني لقاعد في أهلي، إذ نظرت إلى ظغينة تؤمنا، فقلت: ابنة حاتم، فإذا هي هي. فلما وقعت عليّ قالت: القاطع الظالم، احتملت بأهلك و ولدك، و قطعت بقية والديك و عورتك، فقلت: أي أخية، لا تقولي إلا خيرا فو اللّه ما لي من عذر، و لقد صنعت ما ذكرت، ثم نزلت و أقامت عندي. فقلت لها و كانت امرأة حازمة: ما ذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى و اللّه أن تلحق به سريعا، فإن يكن نبيا فللسابق إليه فضله، و إن يكن ملكا فأنت أنت. فقلت و اللّه إن هذا للرأي، أي و لعلها لم تظهر له إسلامها لئلا ينفر طبعه من قولها له إن يكن نبيا أي على الفرض و التنزل تحريضا له على اللحوق به (صلى اللّه عليه و سلم)، فخرجت حتى جئته (صلى اللّه عليه و سلم) بالمدينة فدخلت عليه. فقال: من الرجل؟ فقلت: عدي بن حاتم فقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و انطلق بي إلى بيته، فو اللّه إنه لقائدني إليه إذ لقيته امرأة كبيرة ضعيفة فاستوقفته (صلى اللّه عليه و سلم) فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها. فقلت ما هو بملك، ثم مضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى إذا دخل بيته تناول و سادة بيده من أدم محشوة ليفا فقدمها إليّ و قال: اجلس على هذه. فقلت بل أنت فاجلس عليها، قال: بل أنت، فجلست عليها، و جلس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالأرض.
فقلت و اللّه ما هذا بأمر ملك، ثم قال لي ما معناه: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم قالها ثلاثا. فقلت: إني على دين، قال: أنا أعلم بدينك منك، فقلت أنت أعلم بديني؟
قال نعم أ لست من الركوسية: أ لست من القوم الذين لهم دين؟ لأنه تقدم أنه كان نصرانيا. فقلت بلى، فقال: أ لم تكن تسير في قومك بالمرباع، أي تأخذ ربع الغنيمة كما هو شأن الأشراف من أخذهم في الجاهلية ربع الغنيمة؟ قلت بلى. قال: فإن