السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٧ - غزوة الحديبية
بركت ناقته (صلى اللّه عليه و سلم)، أي القصوى، فقال الناس: حل حل، فألحت: أي تمادت و استمرت على عدم القيام، فقالوا: خلأت القصوى: أي حرنت، يقال خلأت الناقة و ألحّ الجمل بالخاء المعجمة فيهما، و حرن الفرس، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «ما خلأت و ما هو لها بخلق» و في لفظ: «ما ذاك لها بعادة و لكن حبسها حابس الفيل عن مكة:
أي منعها اللّه عن دخول مكة: أي علم (صلى اللّه عليه و سلم) أن ذلك صدّ له من اللّه عن مكة أن يدخلها قهرا، «و الذي نفس محمد بيده لا تدعني قريش اليوم إلى حطة» أي خصلة «يسألون فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» أي و في رواية «فيها تعظيم حرمات اللّه تعالى إلا أعطيتهم إياها» أي من ترك القتال في الحرم، و الكفّ عن إراقة الدم «ثم زجرها (صلى اللّه عليه و سلم) فقامت، فولى راجعا عوده على بدئه، ثم قال للناس: انزلوا فقالوا: يا رسول اللّه ما بالوادي ماء ينزل عليه، فأخرج (صلى اللّه عليه و سلم) سهما من كنانته فأعطاه ناجية بن جندب رضي اللّه عنه سائق بدن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أو البراء بن عازب رضي اللّه عنه، أو خالد بن عبادة الغفاري فنزل في قليب فغرزه في جوفه، فجاش: أي علا و ارتفع بالرواء: أي الماء العذب حتى ضرب الناس عليه بعطن» و في لفظ «حتى صدروا عنها بعطن»: أي حتى رووا و رويت إبلهم حتى بركت حول الماء لأن عطن الإبل مباركها.
قال: و لما نزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأقصى الحديبية على ثمد: و هو حفرة فيها ماء من ثمادها قليل الماء يتربضه الناس تربضا أي يأخذونه قليلا قليلا، ثم لم يلبث الناس حتى نزحوه فاشتكى الناس إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قلة الماء. و في لفظ: العطش أي و كان الحر شديدا، فنزع (صلى اللّه عليه و سلم) سهما من كنانته و دفعه للبراء فقال: اغرز هذا السهم في بعض قليب الحديبية ففعل، و القليب جافّ، فجاش الماء، و قيل دفعه لناجية بن الأعجم.
فعنه رضي اللّه عنه، قال: «دعاني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين شكي إليه قلة الماء فأخرج سهما من كنانته و دفعه إليّ، و دعا بدلو من ماء البئر فجئت به، فتوضأ فمضمض ثم مج الماء في الدلو. ثم قال: انزل بالدلو في البئر و أثر ماءها بالسهم ففعلت، فو الذي بعثه بالحق ما كدت أخرج حتى يغمرني الماء، و فارت كما يفور القدر حتى طمت و استوت بشفيرها، يغترفون من جوانبها حتى نهلوا عن آخرهم، و على البئر نفر من المنافقين منهم عبد اللّه بن أبي ابن سلول، فقال له أوس بن خولي رضي اللّه عنه: ويحك يا أبا الحباب، ما آن لك تبصر ما أنت عليه؟ أبعد هذا شيء؟
فقال: إني رأيت مثل هذا فقال له أوس رضي اللّه عنه: قبحك اللّه و قبح رأيك، ثم أقبل: أي عبد اللّه المذكور إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا الحباب أني رأيت؟ أي كيف رأيت مثل ما رأيت اليوم؟ قال: ما رأيت مثله قط، قال: فلم