السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٨٨ - غزوة تبوك
إلى شيء تقول قريش، أ ليس يقولون ما أسرع ما خذل ابن عمه و جلس عنه، و أخرى أبتغي الفضل من اللّه، أني سمعت اللّه يقول: وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ [التّوبة: الآية ٩٠] الآية، فقال: أما قولك أن تقول قريش ما أسرع ما خذل ابن عمه و جلس عنه، فقد قالوا إني ساحر و إني كاهن و إني كذاب، و أما قولك تبتغي الفضل من اللّه، فلك بي أسوة أي حيث تخلفت عن بعض مواطن القتال، أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى (عليهما السلام)» أي و لم يتخلف عنه علي (كرم اللّه وجهه) في مشهد من المشاهد إلا في هذه الغزوة.
و ادّعت الرافضة و الشيعة أن هذا من النص التفصيلي على خلافة علي (كرم اللّه وجهه)، قالوا لأن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوّة ثابتة لعلي (كرم اللّه وجهه) من النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و إلا لما صح الاستثناء: أي استثناء النبوّة بقوله: «إلا أنه لا نبي بعدي» و مما ثبت لهارون من موسى (عليه السلام) استحقاقه للخلافة عنه لو عاش بعده: أي دون النبوّة.
و ردّ بأن هذا الحديث غير صحيح كما قاله الآمدي. و على تسليم صحته، بل صحته هي الثابتة لأنه في الصحيحين- فهو من قبيل الآحاد، و كل من الرافضة و الشيعة لا يراه حجة في الإمامة. و على تسليم أنه حجة فلا عموم له، بل المراد ما دل عليه ظاهر الحديث أن عليا (كرم اللّه وجهه) خليفة عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في أهله خاصة مدة غيبته بتبوك، كما أن هارون كان خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة. فعلى تسليم أنه عام لكنه مخصوص و العام المخصوص غير حجة في الباقي أو حجة ضعيفة. و قد استخلف (صلى اللّه عليه و سلم) في مرار أخرى غير عليّ فيلزم أن يكون مستحقا للخلافة، و صار بعد مسيره (صلى اللّه عليه و سلم) يتخلف عنه الرجل، فيقال تخلف فلان، فيقول دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه بكم، و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه.
و كان ممن تخلف عن مسيره معه (صلى اللّه عليه و سلم) أبو خيثمة. و لما أن سار (صلى اللّه عليه و سلم) أياما دخل أبو خيثمة على أهله في يوم حارّ فوجد امرأتين له في عريشتين لهما في حائط قد رشت كل منهما عريشتها، و برّدتا فيها ماء، و هيأتا طعاما، و كان يوما شديد الحر، فلما دخل نظر إلى امرأتيه و ما صنعتا فقال رضي اللّه عنه: رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الحرّ، و أبو خيثمة في ظلّ بارد و ماء مهيأ، و امرأة حسناء؟ ما هذا بالنصف. ثم قال: و اللّه لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فهيئا لي زادا ففعلتا. ثم قدّم ناضحه فارتحل و أخذ سيفه و رمحه كما في الكشاف، أي ثم خرج في طلب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى أدركه حين نزل بتبوك، و قد كان أبو خيثمة أدرك عمير بن وهب في الطريق يطلب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فترافقا حتى دنوا من تبوك. فقال أبو خيثمة لعمير: إن