السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١١٦ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
الإسلام مثل ذلك، كان من أشراف قريش في الجاهلية و الإسلام، و أعتق في الجاهلية مائة رقبة، و في الإسلام مثل ذلك، فإنه حج في الإسلام، و أوقف بعرفة مائة و صيف في أعناقهم أطواق الفضة منقوش عليها «عتقاء اللّه عن حكيم بن حزام» و أهدى مائة بدنة قد جللها بالحبرة، و أهدى ألف شاة. و عقد (صلى اللّه عليه و سلم) لأبي رويحة الذي آخى (صلى اللّه عليه و سلم) بينه و بين بلال لواء، و أمره أن ينادي: من دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن، أي و إنما قال ذلك لما قال له أبو سفيان: و ما تسع داري، و ما يسع المسجد؟ و لما قال له (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك قال أبو سفيان: هذه واسعة، ثم أمر (صلى اللّه عليه و سلم) العباس أن يحبس أبا سفيان و بديلا و حكيم بن حزام أي و عليه إنما خص أبو سفيان بالذكر في بعض الروايات لشرفه قال له: احبسه بمضيق الوادي حتى تمر به جنود اللّه فيراها. قال العباس:
ففعلت، فمرت القبائل كلها، كلما مرت قبيلة كبرت ثلاثا عند محاذاته. قال: يا عباس من هذه؟ فأقول سليم، فيقول: ما لي و لسليم، أي فإن أوّل القبائل مرّ سليم، و فيها خالد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه، ثم تمر القبيلة، فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي و لمزينة، حتى نفدت بالفاء و الدال المهملة القبائل كلها، ما تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا قلت له بنو فلان، قال: ما لي و لبني فلان.
أي و قد ذكرها بعضهم مرتبة، فقال: أوّل من مر خالد بن الوليد في بني سليم بضم السين. فقال أبو سفيان: يا عباس من هؤلاء؟ قال: هذا خالد بن الوليد، قال:
الغلام؟ قال: نعم، قال: و من معه؟ قال: بنو سليم، قال: ما لي و لبني سليم.
ثم مر على أثره الزبير بن العوام رضي اللّه تعالى عنه في خمسمائة من المهاجرين و فتيان العرب؟ فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال الزبير، قال: ابن أخيك؟
قال: نعم.
ثم مرت بنو غفار بكسر الغين المعجمة، ثم أسلم، ثم بنو كعب، ثم مزينة، ثم جهينة ثم كنانة، ثم أشجع.
و لما مرت أشجع قال أبو سفيان للعباس: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد، قال العباس: أدخل اللّه الإسلام قلوبهم، فهذا فضل اللّه حتى مر به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في كتيبته الخضراء للبسهم الحديد. و العرب تطلق الخضرة على السواد كما تطلق السواد على الخضرة، و فيها المهاجرون و الأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد: أي فيها ألفا دارع و عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه يقول: رويدا حتى يلحق أوّلكم آخركم. قال: سبحان اللّه يا عباس، من هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء قبل و لا طاقة، فقال أبو سفيان: و اللّه يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما، فقلت: يا أبا سفيان إنها النبوّة،