السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٣٦ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
اللّه و أن محمدا عبده و رسوله، فدخل الناس في دين اللّه أفواجا أفواجا.
أي و جاءه (صلى اللّه عليه و سلم) رجل فأخذته الرعدة فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): «هون عليك فإني لست بملك، إنما أنا امرأة من قريش كانت تأكل القديد».
أي و كان من جملة من بايعه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) على الإسلام معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنهما. فعن معاوية رضي اللّه تعالى عنه لما كان عام الحديبية وقع الإسلام في قلبي، فذكرت ذلك لأمي، فقالت: إياك أن تخالف إياك فيقطع عنك القوت، فأسلمت و أخفيت إسلامي، فقال لي يوما أبو سفيان و كأنه شعر بإسلامي:
أخوك خير منك، هو على ديني، فلما كان عام الفتح أظهرت إسلامي، و لقيته (صلى اللّه عليه و سلم) فرحت بي و كتبت له: أي بعد أن استشار فيه جبريل عليه الصلاة و السلام، فقال، استكتبه فإنه أمين، و أردفه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يوما خلفه، فقال: ما يليني منك؟ قلت بطني، قال: اللهم املأه حلما و علما.
و عن العرباض بن سارية رضي اللّه تعالى عنه قال: سمعت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يقول لمعاوية: «اللهم علمه الكتاب و الحساب، و قه العذاب» زاد في رواية: «و مكن له في البلاد».
و عن بعض الصحابة أنه سمع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يدعو لمعاوية يقول: اللهم اجعله هاديا مهديا و اهده و اهد به و لا تعذبه.
و عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال: قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يوما لمعاوية: «يا معاوية أنت مني و أنا منك لتزاحمني على باب الجنة كهاتين و أشار بإصبعيه الوسطى و التي تليها» و يذكر أنه كان عنده قميص رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و إزاره و رداؤه و شيء من شعره، فقال عند موته: كفنوني في القميص، و أدرجوني في الرداء، و أزروني بالإزار، و احشوا منخري و شدقي من الشعر، و خلوا بيني و بين أرحم الراحمين.
و قد بشر بمعاوية رضي اللّه تعالى عنه بعض كهان اليمن. و سبب ذلك أن أمه هند كانت قبل أبيه أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، و كان الفاكه من فتيان قريش، و كان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا ذلك البيت يوما من الضيفان، فاضطجع الفاكه و هند فيه في وقت القائلة، ثم خرج الفاكه لبعض حاجته، و أقبل رجل كان يغشاه فولج البيت، فلما رأى المرأة التي هي هند ولى هاربا، و أبصره الفاكه و هو خارج من البيت، فأقبل إلى هند فضربها برجله. و قال لها: من هذا الذي كان عندك؟ قالت: ما رأيت رجلا و لا انتبهت حتى أيقظتني، فقال لها: الحقي بأبيك، و تكلم فيها الناس، فقال لها أبوها عتبة: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك فأنبئيني نبأك، فإن كان الرجل عليك صادقا دسست إليه من يقتله فنقطع