السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٣٧ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
عنك المقالة، و إن يك كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، فحلفت له أنه لكاذب عليها، فقال عتبة للفاكه: يا هذا إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم، فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم و خرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف، و خرجوا معهم بهند و نسوة معها، فلما شارفوا البلاد و قالوا: غدا نرد على الكاهن الفلاني، تنكرت حالة هند و تغير وجهها، فقال لها أبوها: إني أرى ما بك من تنكر الحال، و ما ذاك إلا لمكروه عندك، كان هذا قبل أن يشهد الناس مسيرنا، قالت: لا و اللّه يا أبتاه ما ذاك لمكروه عندي، و لكني أعرف أنكم تأتون بشرا يخطئ و يصيب، و لا آمنه أن يسمني ميسما يكون عليّ سبة في العرب، قال: إني سوف أختبره من قبل أن ينظر في أمرك، فصفر بفرس حتى أدلى، ثم أخذ حبة من حنطة فأدخلها في إحليله و أوكأ عليها بسير، فلما وردوا على الكاهن أكرمهم و نحر لهم، فلما تغدّوا قال له عتبة: إنا قد جئناك في أمر و إني قد خبأت لك خباء أختبرك به، فانظر ما هو؟ قال: سمرة في كمرة، قال: أريد أبين من هذا قال: حبة برّ في إحليل مهر، قال: صدقت انظر في أمر هذه النسوة، فجعل يدنو من إحداهن فيضرب كتفها، و يقول انهضي، حتى دنا من هند فضرب كتفها. و قال: انهضي غير و سخاء و لا زانية، و لتلدنّ ملكا يقال له معاوية فوثب إليها الفاكه فأخذ بيدها، فنثرت يدها من يده و قالت: إليك عني، فو اللّه لأحرصن على أن يكون من غيرك فتزوجها أبو سفيان، فجاءت منه بمعاوية رضي اللّه تعالى عنهم، و قد قال له (صلى اللّه عليه و سلم): «يا معاوية إذا ملكت فأحسن» و في رواية: «إذا ملكت من أمر أمتي شيئا فاتق اللّه و اعدل».
و يؤثر عنه رضي اللّه تعالى عنه أنه لما حضرته الوفاة قال: اللهم ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي. اللهم أقل عثرتي، و اغفر زلتي، وعد بحلمك على من لا يرجو غيرك و لم يثق بأحد سواك، ثم بكى رضي اللّه تعالى عنه حتى علا نحيبه.
كتب إلى عائشة رضي اللّه تعالى عنها: اكتبي لي كتابا توصيني فيه و لا تكثري، فكتبت إليه: من عائشة إلى معاوية، سلام عليك أما بعد، فإني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «من التمس رضا الناس بسخط اللّه وكله اللّه إلى الناس، و من التمس رضا اللّه بسخط الناس كفاه اللّه مئونة الناس و السلام» و كتبت إليه رضي اللّه تعالى عنها مرة أخرى: أما بعد فاتق اللّه، فإنك إذا اتقيت اللّه كفاك الناس، و إذا اتقيت الناس لم يغنوا عنك من اللّه شيئا، و السلام.
و لما فرغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من بيعة الرجال بايع النساء و فيهن هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنه، متنقبة متنكرة خوفا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما دنين من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لهن: بايعنني على أن لا تشركن باللّه شيئا و لا تسرقن و لا تزنين و لا تقتلن أولادكن أي و ذلك إسقاط الأجنة. زاد في لفظ: و لا تلحقن