السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣١ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
و منها وفد بني مرة. وفد عليه (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاثة عشر رجلا من بني مرة، رأسهم الحارث بن عوف، فقال: يا رسول اللّه إنا قومك و عشيرتك، نحن قوم من بني لؤي بن غالب، فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال للحارث: أين تركت أهلك؟ فقال: بسلاح و ما والاها، فقال: كيف البلاد؟ فقال: و اللّه إنا لمسنتون، و ما في المال مح: أي صوت يردده فادع اللّه لنا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): اللهم اسقهم الغيث فأقاموا أياما، ثم أرادوا الانصراف إلى بلادهم، فجاؤوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مودعين له فأمر بلالا أن يجيزهم، فأجازهم بعشرة أواق من فضة، و فضل الحارث بن عوف فأعطاه اثني عشر أوقية، أي و هذا يفيد أن كل واحد أعطي عشر أواق، و رجعوا إلى بلادهم فوجدوا البلاد مطيرة، فسألوا قومهم متى مطرتم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أخصبت لهم بعد ذلك بلادهم.
و منها وفد خولان، و هي قبيلة من اليمن. وفد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عشرة من خولان، فقالوا: يا رسول اللّه نحن على من وراءنا من قومنا، و نحن مؤمنون باللّه عز و جل، مصدقون برسوله، و قد ضربنا إليك آباط الإبل و ركبنا حزون الأرض و سهولها. و حزون كفلوس: و هو ما غلظ منها، و المنة للّه و لرسوله علينا، و قدمنا زائرين لك. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أما ما ذكرتم من مسيركم إليّ، فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، و أما قولكم زائرين لك، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة. فقالوا: يا رسول اللّه، هذا السفر الذي لا توى عليه:
أي و التوى بفتح المثناة فوق و فتح الواو مقصورا: هو هلاك المال، ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ما فعل عم أنس؟ و هو صنم خولان الذي كانوا يعبدونه، قالوا: بشرّ بدلنا اللّه تعالى ما جئت به، و قد بقيت منا بعد بقايا شيخ كبير و عجوز كبيرة متمسكون به، و لو قدمنا عليه هدمناه إن شاء اللّه تعالى فقد كنا منه في غرور و فتنة، فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): و ما أعظم ما رأيتم من فتنة؟ قالوا: لقد رأيتنا بضم المثناة فوق، أسنتنا حتى أكلنا الرمة، فجمعنا ما قدرنا عليه و ابتعنا مائة ثور و نحرناها لعم أنس قربانا في غداة واحدة، و تركناها يردها السباع و نحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، و لقد رأينا الغيث يواري الرحال و يقول قائلنا أنعم علينا عم أنس، و ذكروا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما كانوا يقسمون لهذا الصنم من أموالهم من إنعامهم و حرثهم، فقالوا: كنا نزرع الزرع، فنجعل له وسطه، فنسميه له و نسمي زرعا آخر حجرة: أي ناحية للّه، فإذا مالت الريح بالذي سميناه له: أي للّه جعلناه لعم أنس، و إذا مالت الريح بالذي سميناه لعم أنس لم نجعله للّه، فذكر لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن اللّه تعالى أنزل عليّ في ذلك وَ جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَ الْأَنْعامِ نَصِيباً [الأنعام:
الآية ١٣٦] الآية، قالوا: و كنا نتحاكم إليه فيتكلم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): تلك الشياطين