السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠٦ - باب ذكر نبذ من معجزاته
طائفة من كبدي، فقال له الحسين: أي أخي و من سقاك؟ قال: و ما تريد؟ أ تريد أن تقتله؟ قال نعم: قال لئن كان الذي أظن فاللّه أشد نقمة، و لئن كان غيره ما أحب أن يقتل بي بريئا.
و كان الحسن رضي اللّه عنه رجلا حليما لم يسمع منه كلمة فحش، و كان مروان و هو وال على المدينة يسبه و يسب عليا (كرم اللّه وجهه) كل جمعة على المنبر، فقيل له في ذلك؟ فقال: لا أمحو عنه شيئا بأن أسبه، و لكن موعدي و موعده اللّه، فإن كان صادقا جازاه اللّه بصدقه، و إن كان كاذبا فاللّه أشد نقمة.
و أغلظ عليه رضي اللّه تعالى عنه مروان يوما و هو ساكت، ثم امتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن رضي اللّه تعالى عنه: أف لك، لك علمت أن اليمين لها شرف، فخجل مروان. و بكى مروان في جنازته، فقال له الحسين: أ تبكيه و قد كنت تجرعه ما تجرعه؟ فقال: إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا و أشار إلى الجبل.
و من ثم لما وقع بين الحسن و الحسين رضي اللّه تعالى عنهما بعض الشحناء فتهاجرا، ثم أقبل الحسن على الحسين فأكب على رأسه يقبله، فقال له الحسين: إن الذي منعني من ابتدائك بهذا أنك أحق بالفضل مني، و كرهت أن أنازعك ما أنت أحق به مني، و قد تقدم ذلك.
و من شعر الحسن رضي اللّه تعالى عنه:
من ظن أن الناس يغنونه* * * فليس بالرحمن بالواثق
و من ذلك إخباره (صلى اللّه عليه و سلم) بقتل الأسود العنسي الكذاب: أي الذي ادعى النبوة ليلة قتله بصنعاء و بمن قتله كما تقدم.
أي و منها إخباره (صلى اللّه عليه و سلم) بأن رجلا من أمته يتكلم بعد الموت، فكان كذلك و هو زيد بن حارثة. و تكلم غيره أيضا، فعن ابن المسيب أن رجلا من الأنصار توفي، فلما كفن أتاه القوم يحملونه تكلم، فقال: محمد رسول اللّه، فلعل المراد بالرجل جنس الرجل.
و منها إخباره (صلى اللّه عليه و سلم) بأن أمته تتخذ الخصيان، و أمرهم (صلى اللّه عليه و سلم) أن يستوصوا بهم خيرا، فقال: «سيكون قوم ينالهم الخصاء، فاستوصوا بهم خيرا» و هو يقتضي أن الخصاء لم يكن في غير هذه الأمة.
و من ذلك إخباره (صلى اللّه عليه و سلم) بذهاب الأمانة و العلم و الخشوع و علم الفرائض أي قرب قيام الساعة.
و من ذلك قوله (صلى اللّه عليه و سلم) لثابت بن قيس: «تعيش حميدا، و تقتل شهيدا»، فقتل رضي اللّه تعالى عنه يوم القيامة في قتال مسيلمة الكذاب لعنه اللّه.