السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠٨ - باب ذكر نبذ من معجزاته
أوديتها، فكان يصلي الظهر و العصر في جماعة و يترك الجماعة فيما سواهما، ثم نمت و كثرت حتى ترك الجماعة فيما سوىّ الجمعة فإنه كان يشهدها مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم ترك الجمعة فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): ما فعل ثعلبة؟ فأخبروه بخبره، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): يا ويح ثعلبة قالها ثلاثا، فلما نزل قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [التّوبة: الآية ١٠٣] الآية بعث النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رجلين على الصدقة و كتب لهما فرائض الصدقة و أسنانها و قال لهما مرا بثعلبة، فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة و أقرءاه كتاب النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: انطلقا حتى تفرغا، ثم تعودا إليّ فانطلقا ثم مرّا عليه، فقال: أرياني كتابكما أنظر فيه، فنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخية الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما رآهما قال قبل أن يكلماه: يا ويح ثعلبة، فلما أخبراه بالذي صنع ثعلبة، أنزل اللّه تعالى:
وَ مِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ [التّوبة: الآية ٧٥] الآيات، و كان عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رجل من أقارب ثعلبة، فأرسل إليه بأن اللّه قد أنزل فيك قرآنا و هو كذا و كذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فسأله أن يقبل منه الصدقة فقال: إن اللّه منعني أن أقبل صدقتك، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): هذا عملك و قد أمرتك فلم تطعني، و أبي أن يقبل منه شيئا، فأتى أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه حين استخلف فسأله قبول صدقته، فقال له: لم يقبلها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأنا لا أقبلها، ثم فعل كذلك مع عمر رضي اللّه تعالى عنه، ثم مع عثمان رضي اللّه تعالى عنه، و كل يأبى أن يقبل صدقته، و مات في خلافة عثمان.
و من ذلك قوله (صلى اللّه عليه و سلم) في رجل ارتد و لحق بالمشركين: اللهم اجعله آية. فعن أنس رضي اللّه تعالى عنه: كان رجل من بني النجار حفظ البقرة و آل عمران، و كان يكتب للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فارتد و لحق بأهل الكتاب، و كان يقول ما يدري محمد إلا ما كتب له، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) اللهم اجعله آية، فأماته اللّه فدفنوه فأصبح و قد لفظته الأرض، فقالوا:
هذا فعل محمد و أصحابه لما هرب منهم نبشوه و ألقوه فحفروا له و أعمقوا ما استطاعوا، فأصبح و قد لفظته الأرض، فقالوا مثل الأول، فحفروا و أعمقوا، فلفظته الأرض في المرة الثالثة، فعلموا أنه ليس من فعل الناس.
و من ذلك قوله (صلى اللّه عليه و سلم) لرجل يأكل بشماله: «كل بيمينك، فقال: لا أستطيع» أي قال ذلك تكبرا و عنادا «فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): لا استطعت، فلم يطق أن يرفعها إلى فيه بعد».
أي و من ذلك المرأة التي خطبها (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له أبوها إن بها برصا و لم يكن بها برص، و إنما قال ذلك امتناعا من خطبته (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): فلتكن كذلك، فبرصت.
و من ذلك «أن فاطمة رضي اللّه تعالى عنها جاءت إليه (صلى اللّه عليه و سلم) فنظر إليها و قد ذهب الدم من وجهها و غلبت الصفرة على وجهها من شدة الجوع، فقال لها (صلى اللّه عليه و سلم): ادن مني يا فاطمة، فدنت منه، فرفع يده فوضعها على صدرها و فرج بين أصابعه، و قال:
اللهم مشبع الجاعة، و رافع الوضيعة، ارفع فاطمة بنت محمد، فذهبت الصفرة عنها