السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٤٢ - باب ذكر أزواجه و سراريه
فقال لها: اكتمي عليّ قد حرمت مارية على نفسي، فأخبرت بذلك عائشة و كانتا متصادقتين بينهما المصافاة كما تقدم، فطلقها و أنزل اللّه تعالى عند تحريم مارية قوله:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [التحريم: الآية ١] إلى قوله: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [التحريم: الآية ٢] أي أوجب عليكم كفارة ككفارة أيمانكم، لأن الكفارة تحل ما عقدته اليمين لأن هذا ليس من الأيمان: أي و اطلع اللّه رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) على أن حفصة قد نبأت عائشة بما أسرّه إليها من أمر مارية و أمر الخلافة، فلما أخبر (صلى اللّه عليه و سلم) عائشة ببعض ما أسرته لها و هو أمر مارية و أعرض عما أسره إليها من أمر الخلافة أن ينتشر ذلك في الناس، قالت عائشة: من أنبأك هذا؟ قال: «نبأني العليم الخبير»، و من ثم كان ابن عباس رضي اللّه عنهما يقول: و اللّه إن خلافة أبي بكر و عمر لفي كتاب اللّه ثم يقرأ هذه الآية.
و لما أفشت حفصة رضي اللّه عنها سره (صلى اللّه عليه و سلم) طلقها كما تقدم، فجاءه جبريل (عليه السلام) يأمره بمراجعتها، لأنها صوامة قوامة، و إنها إحدى زوجاته (صلى اللّه عليه و سلم) في الجنة.
و في رواية، تأتي: راجعها رحمة لعمر. و قيل همّ (صلى اللّه عليه و سلم) بتطليقها و لم يفعل، فقد جاء عن عمار بن ياسر رضي اللّه عنه أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أراد أن يطلقها، فقال له جبريل (عليه السلام): إنها صوامة قوامة، و إنها زوجتك في الجنة. و عليه فيراد بالمراجعة المصالحة و الرضا عنها كما سيأتي. قال في الينبوع: و هذا هو المشهور، فسيأتي ما يدل على صحته: أي و الذي سيأتي قول عمر رضي اللّه عنه للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) لما اعتزل نساءه: يا رسول اللّه أ طلقتهن؟ قال لا.
و فيه أن هذا كان عند طلبهن منه (صلى اللّه عليه و سلم) النفقة، و هذه الواقعة غير تلك، و قيل في سبب نزول الآية غير ذلك.
و في البخاري في سبب نزول الآية عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يشرب عسلا عند زينب ابنة جحش و يمكث عندها، فتواطأت أنا و حفصة على أيتنا دخل عليها، فلتقل له (صلى اللّه عليه و سلم) أكلت مغافير: أي أجد منك ريح مغافير، فدخل على حفصة رضي اللّه عنها، فقالت له ذلك، فقال لها: لا و لكني كنت أشرب عسلا عند زينب ابنة جحش فلن أعود له، و قد حلفت لا تخبري بذلك أحدا» أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) لا يحب أن يظهر منه ريح كريهة، لأن المغافير صمغ العوسج من شجر الثمام كريه الريح.
و عن عمر رضي اللّه عنه أن امرأته راجعته في شيء فأنكر عليها مراجعتها، فقالت له: عجبا لك يا بن الخطاب: ما تريد أن تراجع، و إن ابنتك لتراجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى يظل يومه غضبان، فقام عمر رضي اللّه عنه، فدخل على حفصة رضي اللّه عنها فقال لها: يا بنية إنك لتراجعي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى يظل يومه غضبان، فقالت