السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٧٠ - غزوة الطائف
و عند منصرفه (صلى اللّه عليه و سلم) من ذلك: أي و بيننا هو يسير ليلا بواد بقرب الطائف إذ غشي سدرة في سواد الليل و هو في وسن النوم، فانفرجت السدرة له نصفين، فمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بي نصفيها و بقيت منفرجة على حالها، أي و عند انحداره (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الجعرانة لقيه سراقة، و هو واضع الكتاب الذي كتبه له (صلى اللّه عليه و سلم) عند الهجرة بين إصبعيه و ينادي: أنا سراقة، و هذا كتابي، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): هذا يوم وفاء و مودة، أدنوه، فأدنوه منه و ساق إليه الصدقة، و سأله عن الضالة من الإبل ترد حوضه الذي ملأه لإبله هل له في ذلك من أجر، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «نعم في كل ذات كبد حراء أجر».
و عند وصوله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الجعرانة أحصى السبي فكان ستة آلاف رأس و الإبل أربعة و عشرين ألفا، و الغنم أكثر من أربعين ألفا و أربعة آلاف أوقية فضة.
فأعطى (صلى اللّه عليه و سلم) للمؤلفة، أي من أسلم من أهل مكة، فكان أولهم أبا سفيان بن حرب رضي اللّه عنه أعطاه أربعين أوقية و مائة من الإبل، و قال: ابني يزيد و يقال له يزيد الخير فأعطاه كذلك، و قال ابني معاوية فأعطاه كذلك، فأخذ أبو سفيان رضي اللّه عنه ثلاثمائة من الإبل و مائة و عشرين أوقية من الفضة. و قال: بأبي أنا و أمي يا رسول اللّه، لأنت كريم في الحرب و في السلم، أي و في لفظ: لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، و قد سالمتك فنعم المسالم أنت، هذا غاية الكرم جزاك اللّه خيرا.
و أعطى حكيم بن حزام رضي اللّه عنه مائة من الإبل ثم سأله مائة أخرى، فأعطاه إياها، أي و في الامتاع: و سأله حكيم بن حزام مائة من الإبل فأعطاه، ثم سأله مائة فأعطاه ثم سأله مائة فأعطاه، و قال له: «يا حكيم هذا المال خضر حلو من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، و من أخذه باشراف نفس لم يبارك له فيه، و كان كالذي يأكل و لا يشبع، و اليد العليا خير من اليد السفلى» فأخذ حكيم المائة الأولى و ترك ما عداها، أي و قال: يا رسول اللّه و الذي بعثك بالحق نبيا لا أرزأ أحد بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر رضي اللّه عنه يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم إن عمر رضي اللّه عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال عمر:
يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم اللّه له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه.
و أعطى (صلى اللّه عليه و سلم) الأقرع بن حابس مائة من الإبل. و أعطى عيينة مثله. و أعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل، فقال في ذلك شعرا: أي يعاتبه (صلى اللّه عليه و سلم) به حيث فضل الأقرع بن حابس و عيينة بن حصن عليه و هو:
أ تجعل نهبي و نهب العبي* * * د (يعني فرسه) بين عيينة و الأقرع
و ما كان حصن و لا حابس* * * يفوقان مرداس في مجمع