السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٠ - باب نبذة من خصائصه
و من صفاياه (صلى اللّه عليه و سلم) صفية و ذو الفقار كما تقدم، و أن يتزوج من غير مهر كما وقع لصفية رضي اللّه تعالى عنها. و قد قال المحققون: معنى ما في البخاري و غيره أنه (صلى اللّه عليه و سلم) جعل عتقها صداقها أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أعتقها بلا عوض و تزوّجها بلا مهر، فقول أنس رضي اللّه تعالى عنه أمهرها نفسها معناه أنه لما لم يصدقها شيئا كان العتق كأنه المهر و إن لم يكن في الحقيقة كذلك، و أن يدخل مكة بغير إحرام اتفاقا، و أن يقضي بعلمه و لو في حدود اللّه تعالى.
قال القرطبي في تفسيره: أجمع العلماء على أنه ليس لأحد أن يقضي بعلمه إلا النبي (صلى اللّه عليه و سلم).
قال الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى: و جمع له (صلى اللّه عليه و سلم) بين الحكم بالظاهر و الباطن معا و جمعت له الشريعة و الحقيقة، و لم يكن للأنبياء إلا إحداهما بدليل قصة موسى مع الخضر عليهما الصلاة و السلام، و قوله: إني على علم لا ينبغي لك أن تعلمه و أنت على علم لا ينبغي لي أن أعلمه هذا كلامه.
و كتب عليه الشهاب القسطلاني (رحمه اللّه): هذه غفلة كبيرة و جراءة على الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، إذ يلزم منه خلو بعض أهل العزم عليهم الصلاة و السلام من علم الحقيقة الذي لا يجوز خلو بعض آحاد الأولياء عنه و إخلاء الخضر بل بقية بعض الأنبياء عليهم الصلاة و السلام عن علم الشريعة. و أعجب من ذلك أنه بين له وجه الخطأ، فأجاب بقوله: مرادي الجمع بين الحكم و القضاء هذا كلامه.
و أقول: ذكر السيوطي في كتابه «الباهر في حكم النبي بالباطن و الظاهر» هل يقول مسلم إن الذي خص به نبينا (صلى اللّه عليه و سلم)، أي عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام يورث نقصا في حق سائر الأنبياء؟ معاذ اللّه، و كل مسلم يعتقد أن نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل من سائر الأنبياء على الإطلاق، و ذلك لا يورث نقصا في حق أحد منهم (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين).
و هذا الاعتراض كان لا يحتاج إلى جواب عنه، لكن خشيت أن يسمعه جاهل فيؤديه ذلك إلى إنكار خصائص النبي (صلى اللّه عليه و سلم) التي فضل بها على سائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، توهما منه أن ذلك يورث نقصا فيهم، فيقع و العياذ باللّه في الكفر و الزندقة هذا كلامه.
و مما حكم فيه بالظاهر و الباطن معا، قوله (صلى اللّه عليه و سلم) في ولد وليدة زمعة والد سودة أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها لما اختصم فيه سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه و عبد بن زمعة، فقال سعد: يا رسول اللّه هذا ابن أخي، عهد إلى أنه ابنه، انظر إلى شبهه به، و قال عبد بن زمعة، هذا أخي ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر