السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٩٤ - غزوة تبوك
مسرعا بقية يومه و ليلته فأصبح بتبوك.
و في منصرفه من تبوك قال أبو قتادة رضي اللّه عنه: «بينا نحن نسير مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو قافل من تبوك و أنا معه، إذ خفق خفقة و هو على راحلته فمال على شقه، فدنوت منه فدعمته، فانتبه فقال: من هذا؟ فقلت أبو قتادة يا رسول اللّه، خفت أن تسقط فدعمتك، فقال: حفظك اللّه كما حفظت رسوله ثم سار غير كثير ثم فعل مثلها فدعمته، فانتبه، فقال: يا أبا قتادة هل لك في التعريس؟ فقلت: ما شئت يا رسول اللّه، فقال انظر من خلفك، فنظرت فإذا رجلان أو ثلاثة فقال: ادعهم، فقلت أجيبوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فجاؤوا فعرسنا».
و في رواية قال أبو قتادة رضي اللّه عنه: «بينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يسير حتى ابهارّ الليل و أنا إلى جنبه فنعس فمال عن راحلته، فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته ثم سار حتى تهور الليل مال عن راحلته، فدعمته حتى اعتدل على راحلته ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الميلتين الأولتين حتى كاد يسقط، فأتيته فدعمته فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قلت: أبو قتادة، قال: متى كان هذا مسيرك مني؟ قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة، قال: حفظك اللّه كما حفظت نبيه» و هذا تقدم في منصرفه من خيبر، و لا مانع من التعدد. و يحتمل أن هذا خلط وقع من بعض الرواة فليتأمل، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): هل ترى من أحد: يعني من الجيش؟ قلت: هذا راكب، ثم قلت هذا راكب آخر حتى اجتمعنا و كنا سبعة.
و في رواية خمسة برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فمال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن الطريق، ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا، و كان أول من استيقظ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و الشمس في ظهره، فقمنا فزعين. ثم قال: اركبوا، فركبنا، فسرنا حتى ارتفعت الشمس: ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء، فتوضأ منها و بقي فيها شيء، و في رواية: جرعة من ماء، ثم قال لي: احفظ علينا ميضأتك، و في رواية: ازدهر بها يا أبا قتادة فسيكون لها نبأ» الحديث.
و في رواية: «ما أيقظنا إلا حر الشمس، فقلنا: إنا للّه فاتنا الصبح، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لنغيظن الشيطان كما غاظنا، فتوضأ من الإداوة التي هي الميضأة، ففضل فضل، فقال يا أبا قتادة احتفظ بما في الإداوة، و احتفظ بالركوة فإن لهما شأنا فصلى بنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الفجر بعد طلوع الشمس. و في لفظ إن عمر رضي اللّه عنه هو الذي أيقظ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالتكبير.
أقول: ظاهر هذه الرواية أنهم صلوا بمحلهم و لم ينتقلوا. و في رواية قال لهم (صلى اللّه عليه و سلم): تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة. و في لفظ: ارتحلوا، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان.