السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٧٥ - باب يذكر فيه صفته
و كان رضي اللّه عنه إذا دخل المدينة طرفة اشتراها في ذمته، ثم جاء بها إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و يقول: يا رسول اللّه هذه هدية، فإذا جاء صاحبها يطلب ثمنها جاء به إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قال له: أعط هذا ثمن ما جئت به إليك، فيقول له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أو لم تهد ذلك لي؟ فيقول: يا رسول اللّه لم يكن عندي ثمنه، و أحببت أن يكون لك، فيضحك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يأمر لصاحبه بثمنه.
و كان (صلى اللّه عليه و سلم) دائم البشر ضحوك السن: أي أكثر أحواله ذلك حسما رآه هذا المخبر، فلا ينافي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان متواصل الأحزان، دائم الفكرة ليست له راحة، فإنه بحسب ما كان عند ذلك المخبر.
و في كلام ابن القيم (رحمه اللّه): قد صانه اللّه عن الحزن في الدنيا و أسبابها، و نهاه عن الحزن على الكفار، و غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، فمن أين يأتيه الحزن، بل كان دائم البشر ضحوك السن، كذا قال.
و في كلام الإمام أبي العباس بن تيمية (رحمه اللّه): ليس المراد الحزن الذي هو الألم على فوات مطلوب أو حصول مكروه، فإن ذلك منهي عنه، و إنما المراد به الاهتمام و اليقظة لما يستقبله من الأمور، و هذا مشترك بين القلب و العين.
و سئلت عائشة رضي اللّه عنها عن خلقه (صلى اللّه عليه و سلم) فقالت: خلقه القرآن: أي ما ذكره القرآن: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم: الآية ٤] و إنه تأدب بآدابه و تخلق بمحاسنه.
و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم): «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق و محاسن الأفعال».
قال: و ذكر في عوارف المعارف أن في قول عائشة رضي اللّه عنها خلقه القرآن سرا غامضا، حيث عدلت إلى ذلك عن قولها كان متخلقا بأخلاق اللّه سترا للحال بلطف المقال استحياء من سبحات ذي الجلال اه، أي فكان (صلى اللّه عليه و سلم) متصفا بما فيه من الاجتهاد في طاعة اللّه و الخضوع له، و الانقياد لأمره و الشدة على أعدائه، و التواضع لأوليائه، و مواساة عباده و إرادة الخير لهم، و الحرص على كمالهم، و الاحتمال لأذاهم، و القيام بمصالحهم و إرشادهم إلى ما يجمع لهم خيري الدنيا و الآخرة مع التعفف عن أموالهم إلى غير ذلك من الأخلاق الفاضلة و الصفات الكاملة التي اتصف بها (صلى اللّه عليه و سلم) و شرف و كرم.
و كان (صلى اللّه عليه و سلم) أشد الناس خشية و خوفا من اللّه، أي و من ثم كان (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «أنا أتقاكم (صلى اللّه عليه و سلم)، و أخوفكم منه».
و عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: «أتاني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة فدخل معي في لحافي، ثم قال: ذريني أتعبد لربي، فقام (صلى اللّه عليه و سلم) فتوضأ ثم قام فصلى فبكى حتى سال