السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥٧ - غزوة حنين
و ذكر الخطابي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) إنما قال: «أنا ابن عبد المطلب» على سبيل الافتخار، و لكن ذكرهم (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك رؤيا كان رآها عبد المطلب أيام حياته، و كانت القصة مشهورة عندهم فعرّفهم بها و ذكرهم إياها، و هي إحدى دلائل نبوته (صلى اللّه عليه و سلم).
ثم نزل (صلى اللّه عليه و سلم) عن بغلته. و قيل لم ينزل بل قال: يا عباس ناولني من الحصباء فانخفضت به بغلته حتى كادت بطنها تمس الأرض، ثم قبض قبضة من تراب قال بعضهم: كأنّ اللّه أفقه: أي أفهم البغلة كلامه (صلى اللّه عليه و سلم): أي علمت مراده.
و في رواية كما تقدم أنه قال لها: يا دلدل البدي، فلبدت: أي انخفضت. و في رواية قال: اربضي دلدل فربضت. و قيل ناوله العباس ذلك. و قيل ناوله عليّ. و قيل ابن مسعود رضي اللّه عنهم. فعنه حادت به بغلته، فمال السرج. فقلت: ارتفع رفعك اللّه، فقال ناولني كفا من تراب فناولته، ثم استقبل بها وجوههم فقال: «شاهت الوجوه» أي و في رواية قال: «حم لا ينصروني» و في رواية: «جمع بينهما فما خلف اللّه منهم إنسانا إلا ملأت عينيه و فمه ترابا تلك القبضة و قال انهزموا و رب محمد فولوا مدبرين» أي و قال بعضهم: ما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا.
و حدث رجل كان من المشركين يوم حنين قال: «لما التقينا نحن و أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يقوموا لنا حلبة شاة أن كشفناهم، قال: فبينما نحن نسوقهم و نحن في آثارهم، إذ صاحب بغلة بيضاء، و إذا هو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فتلقانا عنده رجال بيض الوجوه حسان الوجوه و قالوا: شاهت الوجوه ارجعوا» فانهزمنا من قولهم و ركبوا أجسادنا فكانت إياها، و إلى رميه (صلى اللّه عليه و سلم) بالحصى أشار صاحب الهمزية (رحمه اللّه تعالى) بقوله:
و رمى بالحصى فأقصد جيشا* * * ما العصا عنده و ما الإلقاء
أي و رمى (صلى اللّه عليه و سلم) بالحصى فأهلك ذلك الجيش العظيم، أي شيء عصا موسى عند ذلك الحصى؟ و أي شيء إلقاء موسى (عليه السلام) لتلك العصا عند إلقاء ذلك الحصى؟ شتان ما بينهما فلا يقاس هذا بذلك لأن هذا أعظم، لأن انقلاب العصا حية كان مشابها لانقلاب حبالهم و عصيهم حيات، و لأن ابتلاعها لحبالهم و عصيهم لم يقهر العدو و لم يشتت شملهم، بل زاد بعدها طغيانهم و عتوهم على موسى (عليه السلام)، بخلاف هذا الحصى فإنه أهلك العدو و شتت شمله.
أي و ذكر أنه عند القتال أنزل اللّه تعالى قوله: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً [التوبة: الآية ٢٥] إلى قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:
الآية ٥٤].