السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥٩ - غزوة حنين
سهيل بن عمرو: و اللّه إن عهدك بخلافه لحديث، فقال له: يا أبا يزيد إنا كنا على غير شيء و عقولنا ذاهبة نعبد حجرا لا يضر و لا ينفع.
و عن شيبة الحجبي رضي اللّه عنه: أي حاجب البيت و يقال لبنيه بنو شيبة، و هم حجبة البيت كما تقدم أنه كان يحدث عن سبب إسلامه، قال: ما رأيت أعجب مما كنا فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات، و لما كان عام الفتح و دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مكة و سار إلى حرب هوازن، قلت: أسير من قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأقتله، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها: أي و لفظ: «اليوم أدرك ثأري من محمد» أي لأن أباه و عمه قتلا يوم أحد قتلهما حمزة رضي اللّه عنه كما تقدم.
أقول: لو لم يبق من العرب و العجم أحد إلا اتبع محمدا ما اتبعته، لا يزداد ذلك الأمر عندي إلا شدة، فلما اختلط الناس و نزل (صلى اللّه عليه و سلم) عن بغلته أصلتّ السيف و دنوت منه أريد الذي أريد منه، و رفعت السيف حتى كدت أوقع به الفعل رفع إليّ شواظ من نار كالبرق كاد يهلكني، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه.
و في رواية: لما هممت به حال بيني و بينه خندق من نار و سور من حديد، فناداني (صلى اللّه عليه و سلم): «يا شيبة ادن مني»، فدنوت منه فالتفت إلي و تبسم و عرف الذي أريد منه، فمسح صدري، ثم قال: «اللهم أعذه من الشيطان»، قال شيبة: فو اللّه لهو كان الساعة إذا أحب إليّ من سمعي و بصري و نفسي، و اذهب اللّه ما كان فيّ، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): ادن فقاتل، فتقدمت أمامه أضرب بسيفي اللّه أعلم إني أحب أن أقيه بنفسي كل شيء و لو كان أبي حيا و لقيته تلك الساعة لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه، حتى تراجع المسلمون و كروا كرة واحدة، و قربت إليه (صلى اللّه عليه و سلم) بغلته، فاستوى عليها قائما، و خرج في أثرهم حتى تفرقوا في كل وجه: أي لا يلوي أحد منهم على أحد، و أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يقتل من قدر عليه، و اتبعتهم المسلمون يقتلونهم حتى قتلوا الذرية، فنهاهم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عن قتل الذرية، و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من قتل قتيلا فله سلبه» و في رواية: «من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه».
و في الأصل في غزوة بدر أن المشهور أن قول النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «من قتل قتيلا فله سلبه» إنما كان يوم حنين. و أما ما روي أنه قال ذلك يوم بدر و يوم أحد فأكثر ما يوجد في رواية من لا يحتج به، و من ثم قال الإمام مالك رضي اللّه عنه: لم يبلغني أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال ذلك إلا يوم حنين.
و تعقب ما في الأصل بأنه وقع ذلك في غزوة مؤتة كما في مسلم و هي قبل الفتح.