السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥٥ - غزوة حنين
الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة» يعني الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان.
و في لفظ: «يا عباس اصرخ بالمهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، و بالأنصار الذين آووا و نصروا» أي و إنما خص (صلى اللّه عليه و سلم) العباس بذلك، لأنه كان عظيم الصوت، كان صوته يسمع من ثمانية أميال، كان يقف على سلع و ينادي غلمانه آخر الليل و هم بالغابة فيسمعهم، و بين سلع و الغابة ثمانية أميال.
و غارت الخيل يوما على المدينة، فنادى: وا صباحاه فلم تسمعه حامل إلا وضعت من عظم صوته.
و في لفظ آخر: نادى يا أصحاب السمرة يوم الحديبية، يا أصحاب سورة البقرة، أي و خص سورة البقرة بالذكر، لأنها أول سورة نزلت في المدينة، لأن فيها كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: الآية ٢٤٩] و فيها:
وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: الآية ٤٠] و فيها: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة: الآية ٢٠٧]. و في لفظ: نادى: «يا أنصار اللّه و أنصار رسوله، يا بني الخزرج. خصهم بالذكر بعد التعميم لأنهم كانوا صبرا في الحرب. فأجابوا لبيك لبيك. و في لفظ: يا لبيك يا لبيك».
أي و في البخاري: «لما أدبروا عنه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى بقي وحده، فنادى يومئذ نداءين التفت عن يمينه، فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول اللّه، أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول اللّه أبشر نحن معك».
و يجوز أن يكون هذا بعد نداء العباس و قربهم منه (صلى اللّه عليه و سلم)، و صار الرجل يلوي بعيره فلا يقدر على ذلك، أي لكثرة الأعراب المنهزمين، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، و يأخذ سيفه و ترسه، و يقتحم عن بعيره، و يخلي سبيله، و يؤمّ الصوت حتى ينتهي إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). قال بعضهم: فما شبهت عطفة الأنصار على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلا عطفة الإبل. و في لفظ: عطفة البقر على أولادها فلرماحهم أخوف عندي على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من رماح الكفار، حتى إذا انتهى إليه من الناس مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، و أشرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فنظر إلى القوم و هم يجتلدون، أي و كان شعارهم كيوم فتح مكة، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «الآن حمي الوطيس»، و هو حجارة توقد العرب تحتها النار يشوون عليها اللحم. و الوطيس في الأصل: التنور، و هذه من الكلمات التي لم تسمع إلا منه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هي مثل يضرب لشدة الحرب: أي و صار يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، و هذا السياق يدل على أن المائة انتهت إليه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد الهزيمة، و هو يؤيد القول بأن الذين ثبتوا معه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يبلغوا المائة.