وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٢٦ - الفصل الثاني و العشرون فيما ذكروه من صفة الحجرة الشريفة، و الحائز المخمس الدائر عليها، و بيان ما شاهدناه مما يخالف ذلك
المغرب فضاء أصلا، و لا مغرز إبرة، و لم نجد للبيت الداخل بابا أصلا، و لا موضع باب، لا في الجهة الشامية و لا في غيرها، و وجدنا الفضاء الذي خلف البيت الشريف من جهة الشام، بينه و بين البناء الظاهر، شكله مثلث، و مساحته نحو ثمانية أذرع بذراع اليد المتقدم تحريره، و ذلك من جدار البيت الشامي إلى زاوية البناء الظاهر المقابلة له، و هي الزاوية الشمالية التي ينحرف عنها صفحتا الشكل المثلث المذكور، و هناك أسطوانة ملاصقة لجدار البيت الشامي في صف أسطوانة مربعة القبر و أسطوانة الوفود، و بعض الأسطوانة المذكورة داخل في الجدار المذكور، و قد طوق على أعاليها بأطواق من الحديد، و أدعمت بجذع من جذوع النخل رأسه في أعاليها و رأسه الآخر في زاوية البناء الظاهر الشمالية المتقدم ذكرها، و الظاهر أن ذلك جعل بعد الحريق لتشقق الأسطوانة المذكورة و تأثير النار فيها، و هي الأسطوانة التي تقدم ذكرها في التصوير الأول المأخوذ من كلام ابن شبة عند نهاية جدار البيت الشامي، مما يلي المشرق، لكنا لم نجدها كذلك، بل قريبة من وسط الجدار الشامي، غير أن متولي العمارة و من كان معه أخبروني أنهم وجدوا عند نقض جدار البيت الشامي من داخله رأس جدار في محاذاة الأسطوانة المذكورة يشهد الحال أنه كان آخذا من الشام إلى ما يحاذيه من القبلي، فكأنه كان نهاية الحجرة الشريفة من جهة المشرق، و كأنه لما انهدم زيد فيها ذلك القدر، قالوا: و لا يخفى على الناظر أن بقية الجدار الشامي مما يلي المشرق لم يبن مع الجانب الآخر منه، بل هي ملصقة إلى رأس الجدار المذكور بحيث لم يدخل أحجار أحدهما في الآخر، و لا هي مرتبطة كما هو عادة البناء الواحد، و رأيت أنا ما يقابل هذا الجانب من الجدار القبلي مما يلي المشرق؛ فرأيت ما يشهد بإحداث بنائه بحيث إنه مبني بالحجارة غير الوجوه كنسبة الجدار الشرقي، بخلاف بقية جدارات الحجرة الشريفة فإنها كلها من داخلها و خارجها مبنية بالحجارة الوجوه المنحوتة، و إنما لم أشاهد ما قدمته مما حكى لي في أمر الجدار الشامي لأني اجتنبت حضور الهدم احتياطا لنفسي، و ظهر بذلك أن البيت الشريف كان من جهة المشرق على ما صوره ابن شبة، ثم حدث ذلك بعده، و لم ينبه عليه أحد من المؤرخين، و يحتمل أن ذلك الجدار هو الذي أحدثته عائشة (رضي الله عنها) بينها و بين القبور الشريفة؛ فقد تقدم عن ابن سعد روايته عن مالك بن أنس قال: قسم بيت عائشة باثنين، قسم كان فيه القبر، و قسم كان تكون فيه عائشة و بينهما حائط.
قلت: فهذا الاحتمال هو الذي يترجح عندي، و اللّه أعلم.
و وجد بين جدار البيت الشرقي و بين الجدار الظاهر الشرقي فضاء مختلف كالزقاق الرقيق، فعند ابتدائه من جهة الشام نحو ذراع اليد يمر فيه الرجل منحرفا، فإذا قرب من جهة القبلة تضاعف بحيث لا يمر فيه إلا الصغير منحرفا، و سعته هناك نحو ثلث الذراع.