وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٨٨ - الفصل الخامس عشر في المقصورة التي اتخذها عثمان
السائب ابن خباب و عمر بن عثمان بن عبد الرحمن أن عثمان بن عفان أول من وضع المقصورة من لبن، و استعمل عليها السائب بن خباب، و كان رزقه دينارين في كل شهر، فتوفي عن ثلاثة رجال: مسلم، و بكير، و عبد الرحمن، فتواسوا في الديا نارين، فجريا في الديوان على ثلاثة منهم إلى اليوم، قال ابن زبالة: و قال مالك بن أنس: لما استخلف عثمان بعد مقتل عمر بن الخطاب عمل عثمان مقصورة من لبن، فقام يصلي فيها للناس خوفا من الذي أصاب عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، و كانت صغيرة.
و روى يحيى هذا كله في زيادة عثمان (رضي الله عنه)، ثم روى في زيادة الوليد عن عبد الحكم بن عبد اللّه بن حنطب قال: أول من أحدث المقصورة في المسجد مروان بن الحكم، بناها بالحجارة المنقوشة، و جعل لها كوى، و كان بعث ساعيا [١] إلى تهامة، فظلم رجلا يقال له دب، فجاء دب إلى مروان، فقام حيث يريد أن يقوم مروان، حتى إذا أراد أن يكبر ضربه بسكين فلم يصنع شيئا، فأخذه مروان فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال:
بعثت عاملا فأخذ ذودي بمرة [٢]، و تركني و عيالي لا يجد شيئا، فقلت: أذهب إلى الذي بعثك فاقتله؛ فهو أصل هذا، فجاء ما ترى، فحبسه مروان حينا في السجن، ثم أمر به فاغتيل سرا، فكانت المقصورة.
و رواه ابن شبة بنحوه، إلا أنه سمى الرجل في موضع دبا، و في آخر ذبابا، و قال:
بعثت عاملك، فأخذ مني بقرة، فتركني و عيالي لا نجد شيئا، و أنا امرؤ خبيث النفس، فقلت: أذهب إلى الذي بعثه فأقتله فهو أصل هذا، فجاء ما ترى، فحبسه مروان في الحبس حينا، ثم أمر به فاغتيل سرا، و عمل المقصورة.
قلت: و جزم بذلك في العتبية فيما حكاه ابن رشد في بيانه، فقال في كتاب الصلاة:
مسألة قال مالك: أول من جعل المقصورة مروان بن الحكم حين طعنه اليماني، قال: فجعل مقصورة من طين، و جعل فيها تشبيكا، انتهى. قال ابن رشد في شرح ذلك: وجه قوله هذا الإعلام بأن المقصورة محدثة لم تكن على عهد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لا على عهد الخلفاء بعده، و إنما أحدثها الأمراء للخوف على أنفسهم، فاتخاذها في الجوامع مكروه انتهى.
و في شرح مسلم للنووي أن أول من اتخذ المقصورة في المسجد معاوية (رضي الله عنه) حين ضربه الخارجي، انتهى.
[١] الساعي: عامل الصدقات. (ج) سعاة.
[٢] الذود: القطيع من الإبل بين الثلاث إلى العشر. و في الحديث: «ليست فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة». و في المثل: «الذود إلى الذود إبل»: يضرب في اجتماع القليل إلى القليل حتى يؤدّي إلى الكثير.
(خ) أذواد.