وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٥٤ - الفصل التاسع في الحجرة الشريفة، و بيان إحاطتها بالمسجد الشريف إلا من جهة المغرب
ذهب فيه مال المسلم البنيان، قال الواقدي: فحدثت بهذا الحديث معاذ بن محمد الأنصاري، فقال: سمعت عطاء الخراساني في مجلس فيه عمران بن أبي أنس يقول و هو فيما بين القبر و المنبر: أدركت حجرات أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمرنا بهدم حجر أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم. قال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول: و الله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناشئ من المدينة و يقدم قادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في حياته، و يكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر و التفاخر فيها، قال معاذ: فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمران بن أبي أنس: كان فيها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد، و كانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها على أبوابها مسوح الشعر، ذرعت الساتر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع و عظم الذراع، فأما ما ذكرت من كثرة البكاء فلقد رأيتني في المسجد و فيه نفر من أبناء أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أبو سلمة بن عبد الرحمن و أبو أمامة بن سهل و خارجة بن زيد و إنهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع، و قال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت حتى ينقص الناس من البنيان و يروا ما رضي الله لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) و مفاتيح خزائن الدنيا بيده.
و روى رزين عن عبد الله بن يزيد الهلالي قال: رأيت بيوت أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حين هدمها عمر بن عبد العزيز يدخلها في المسجد مبنية باللبن حولها حجر من جريد ممدودة إلا حجرة أم سلمة، و ذكر نحو ما تقدم باختصار.
و قال ابن الجوزي في الوفاء: قال محمد بن عمر: كانت لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد و حوله، و كلما أحدث رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أهلا [١] نزل له حارثة عن منزله حتى صارت منازله كلها لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و أزواجه.
قلت: و ظاهره يخالف ما تقدم من أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنى أولا بيتين لزوجتيه، و أنه لما تزوج نساءه بنى لهن حجرا، و ظاهره أنه كان كلما أحدث زوجة أحدث لها بناء حجرة، فيحمل ما هنا على أن حارثة كان ينزل له عن مواضع المساكن، و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يبنيها.
و نقل الزركشي عن الشمس الذهبي أنه قال: لم يبلغنا أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنى له تسعة أبيات حين بنى المسجد، و لا أحسبه فعل ذلك، إنما كان يريد بيتا واحدا حينئذ لسودة أم المؤمنين، ثم لم يحتج إلى بيت آخر حتى بنى لعائشة (رضي الله عنها)، في شوال سنة اثنين، فكأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) بناها في أوقات مختلفة، انتهى.
و هو مقتضى ما قدمناه، غير أنه مخالف لما قدمناه في بيت عائشة (رضي الله عنها)، لما
[١] أي كلما تزوج رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلم)).