وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٥٠ - أهل الصفة
عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ و لم يكن من طاعة الله و طاعة رسوله بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت، قال: يا أبا هريرة، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فاخذه فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم انتهيت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و قد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم، و قال: يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا و أنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب، فشربت، فما زال يقول اشرب حتى قلت: لا و الذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا، قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله و سمى و شرب الفضلة.
و قد وقع لأبي هريرة (رضي الله عنه) قصة أخرى في تكثير الطعام مع أهل الصفة.
و أخرج ابن حبان من طريق مسلم بن حيان عن أبيه عنه قال: أتت عليّ ثلاثة أيام لم أطعم، فجئت أريد الصفة، فجعلت أسقط، فجعل الصبيان يقولون: خر أبو هريرة، حتى انتهيت إلى الصفة، فوافيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أتى بقصعة من ثريد، فدعا عليها أهل الصفة و هم يأكلون منها، فجعلت أتطاول كي يدعوني، حتى قاموا و ليس في القصعة إلا شيء في نواحيها، فجمعه (صلّى اللّه عليه و سلم) فصارت لقمة، فوضعها على أصابعه فقال لي: كل باسم الله، فو الذي نفسي بيده ما زلت آكل منه حتى شبعت.
و روى أبو نعيم في الحلية من حديث معاوية بن الحكم فقال: بينا أنا مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في الصفة، فجعل يوجه الرجل مع الرجل من الأنصار، و الرجلين و الثلاثة، حتى بقيت في أربعة و رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) خامسنا، فقال: انطلقوا بنا، فقال: يا عائشة عشّينا- الحديث.
و روى أيضا من طريق نعيم المجمر عن أبي هريرة: كنت من أهل الصفة، و كنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فيأمر كل رجل فينصرف برجل أو أكثر، فيبقى من بقي عشرة أو أقل أو أكثر، فيؤتي النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بعشائه فيتعشى معهم، فإذا فرغنا قال: ناموا في المسجد.
و روى ابن شبة عن طلحة البصري قال: كان من قدم المدينة فكان له بها عريف نزل على عريفه، و من لم يكن له بها عريف نزل الصفة، فكنت فيمن نزل الصفة، فوافقت رجلين كان يجرى علينا في كل يوم مدّين من تمر من رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فانصرف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فناداه رجل من أهل الصفة: يا رسول الله أحرق التمر بطوننا و تحرفت علينا الحرف، فمال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى منبره فحمد الله و أثنى عليه، و ذكر ما لقي من قومه حتى إن كان ليأتي علي و على صاحبي بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا البرير، فقدمنا على إخواننا من الأنصار و جل