وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٣٨ - الفصل السابع في الأساطين المنيفة الأسطوان المخلق
الأسطوان المذكور محاذ لطرف جدارها القبلي. و قال ابن جماعة: قد تحرر لي طول الروضة، و لم يتحرر لي عرضها، يريد أن طولها من المنبر إلى الحجرة، و هو كما قال ابن زبالة ثلاثة و خمسون ذراعا و شبرا، و قال في موضع آخر: أربعة و خمسون ذراعا و سدس.
قلت: و ما ذكره أولا أقرب إلى الصواب كما اختبرناه، فإني ذرعت بحبل من صفحة المنبر القبلية إلى طرف الحجرة القبلية فكان ثلاثة و خمسين ذراعا.
و ذكر ابن جماعة ذراعا أقل من هذا، و كأنه ذرع على الاستقامة، و لم يعتبر الذرع من الطرفين المذكورين، فقال: و ذرعت ما بين الجدار الذي حول الحجرة الشريفة و بين المنبر فكان أربعا و ثلاثين ذراعا و قيراطا بذراع العمل. قلت: و ذلك نحو اثنين و خمسين ذراعا بذراع اليد الذي قدمنا تحريره، و أما قول من قال: «إن طول الروضة اليوم ينقص عن خمسين ذراعا بثلثي ذراع» فلا وجه له إلا أن يكون اعتبر بذراع اليد المفرط الطول، و الله أعلم.
و أما نهاية الحجرة فلم تكن معلومة لابن جماعة و غيره، و عليها يتوقف بيان العرض، و لهذا قال الريمي: لا ندري الحجرة في وسط البناء المحيط بها أم لا؟ و لا ندري إلى أين ينتهي امتدادها؟ و غالب الناس يعتقدون أن نهايتها في محاذاة أسطوان علي (رضي الله عنه)، و لهذا جعلوا الدرابزين الذي بين الأساطين ينتهي إلى صفها، و اتخذوا الفرش لذلك فقط، و الصواب ما قدمناه؛ فقد انجلى الأمر و لله الحمد.
الفصل السابع في الأساطين المنيفة الأسطوان المخلق
منها الأسطوان الذي هو علم على المصلى الشريف، و يعرف بالمخلق، و قد قدمنا قول ابن زبالة «المخلق نحو من ثلثيها» و قول ابن القاسم «إن المصلى الشريف حيث الأسطوان المخلق» و بينا أن المراد أنها أقرب أسطوان إليه، و أن الجذع الذي كان يخطب إليه (صلّى اللّه عليه و سلم) و يتكئ عليه كان هناك، و أن الأسطوان الموجود اليوم متقدم على المحل الأول، و أن المحل الأصلي هو موضع كرسي الشمعة التي عن يمين الإمام الواقف في المصلى الشريف، فمن أراد التبرك بذلك فليصل هناك.
و روى ابن زبالة عن يزيد بن عبيد أنه كان يأتي مع سلمة بن الأكوع إلى سبحة الضحى، فيعمد إلى الأسطوان دون المصحف فيصلي قريبا منهما، فأقول: أ لا تصلي هاهنا؟
و أشير له إلى بعض نواحي المسجد، فيقول: إني رأيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يتحرى هذا المقام، و هذا الحديث في الصحيحين، و لفظ البخاري «كنت آتي مع سلمة بن الأكوع، فيصلي عند الأسطوان التي عند المصحف، فقلت: يا أبا سلمة أراك تتحرى الصلاة عند هذه