وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٣٤ - معنى أن الروضة من رياض الجنة
ثبت لما زيد فيه حكم المضاعفة تعدى ذلك إليه، فاختار كون التسمية بذلك مجازية، و وضع في ذلك كتابا سماه «دلالات المسترشد، على أن الروضة هي المسجد» و قد صنف الشيخ صفي الدين الكازروني المدني مصنفا في الرد عليه، و قد لخصتهما مع سلوك طريق الإنصاف بينهما في كتابي الموسوم: «بدفع التعرض و الإنكار، لبسط روضة المختار» و سنذكر الصواب في ذلك، و استدلاله على ضعف القول بأن ذلك الموضع بعينه نقل من الجنة بأن عياضا لم يذكره عجيب لاحتمال أنه لم يطلع عليه، و قوله: «إن ذلك طريقه التوقيف كما جاء في الركن» فنقول: أي توقيف أعظم من إخبار الصادق المصدوق بذلك؟ و هو المخبر بأمر الركن و المقام، و الأصل في الإطلاق الحقيقة، فكيف سلمه في الركن و المقام و لم يسلمه هنا؟ و الذي فهمه العلماء من الحديث أن هذا الموضع روضة، سواء كان به ذاكرون و مصلون أم لم يكن، بخلاف حلق الذكر مثلا، فإن ذلك يزول عنها بقيامهم، فالروضة ما هم فيه بخلاف هذه، و لهذا فسر الرتع هناك بالذكر، و المراد في حديث: «الجنة تحت أقدام الأمهات» أن لزوم خدمتهن تؤدي إليها، و قوله: «إن القول بذلك يؤدي إلى ما ذكره» عجيب، و قد قدمنا السبب المانع من شهود ذلك على حقيقته، و أي حسن أحسن من القول بأن ذلك روضة من الجنة أكرم الله به نبيه؟ و يؤيده أحاديث المنبر المتقدمة و ما سيأتي في أحد و عير؛ إذ لم يقل أحد إن المراد أن المتعبد عند أحد يفضي به ذلك إلى الجنة، و المتعبد عند عير يفضي به ذلك إلى النار، و أما قوله في بيان المزية: «إن العمل في ذلك المحل يؤدي إلى روضة أعلى» فليس في الحديث وصفه بأنه أعلى الرياض، بل أطلق ذلك، فإذا ثبت ذلك لغيره فلا خصوصية، بل قد يقول الذاهب إلى تفضيل مكة: إن العمل فيها يؤدي إلى روضة أعلى و أفضل، و لظهور مزية تلك البقعة على غيرها بذلك استدل به بعض الأئمة على تفضيل المدينة على مكة بإضافة حديث «لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا و ما فيها» و تعقبه ابن حزم بأن جعلها من الجنة إنما هو على سبيل المجاز، إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى [طه: ١١٨] قال: و إنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة كما يقال في اليوم الطيب: هذا يوم من أيام الجنة.
قلت: لا يلزم من ثبوت عدم الجوع و العري لمن حل في الجنة ثبوته لمن حل في شيء أخرج منها؛ إذ يلزمه أن ينفي بذلك عن حجر المقام كونه من الجنة حقيقة، و لا قائل به، و مسألة عموم الروضة لجميع مسجده (صلّى اللّه عليه و سلم) ذات خلاف؛ فقد قال الأقشهري: سئل أبو جعفر بن نصر الداودي المالكي عن قوله: «ما بين بيتي و منبري روضة» فقال: هو روضة كله، و نقل الريمي عن الخطيب ابن حملة أنه قال: قوله «ما بين بيتي» مفرد مضاف قد يفيد العموم في بيوته، ثم ذكر بيان مكان بيوته، ثم قال: و لهذا قال السمعاني في أماليه: لما فضّل الله مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و شرفه و بارك في العمل فيه و ضعفه سماه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)