وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٣٣ - وقف السلطان قايتباي لأهل المدينة المنورة
أبرز بعد وصوله ستين ألف دينار ليشتري بها أماكن تكون أوقافا يحمل ريعها إلى الحضرة الشريفة، و يعمل بها سماط كسماط الخليل (عليه السلام)، و هذا أمر لم يسبقه إليه أحد من ملوك الإسلام، و المسئول من اللّه تعالى أن ييسر له ذلك.
و قد ألحقنا في الفصل التاسع و العشرين ما برزت به المراسيم الشريفة من إبطال المكوس، و تعويض أمير المدينة الشريفة عنها، و أنه وقف أماكن كثيرة يتحصل منها نحو سبعة آلاف و خمسمائة إردب من الحب كل سنة لعمل السماط المذكور، و ليصرف من ذلك كفاية أرباب البيوت بالمدينة الشريفة، ثم وصول البهائي أبي البقاء بن الجيعان عظم اللّه شأنه بجملة من ذلك و الصرف و التقرير و عمل السماط على الوجه السابق، و المرجو من اللّه تعالى دوام ذلك له؛ فإن اللّه تعالى قد أجرى على يديه من الخيرات ما لم يجتمع لأحد من الملوك قبله فمن ذلك ما تقدم من العمارة بالمسجد النبوي و الحجرة الشريفة، و إبطال هذا الطابق المتقدم وصفه، و من العجب أن من كان بيده هذا الطابق توجه إليه بمصر و سأل أن يمكّن من فتحه، فلم يجبه لذلك، و قرر له في الذخيرة بضعة عشر دينارا كل سنة عوضا عما كان يحصل له منه، ثم وردت المراسيم الشريفة بالإخبار بذلك، و الأمر بسده، و لكن شق على بعض أهل الحظوظ النفسية تمام هذا الأمر و المتسبب فيه الفقير الحقير، فتسبب في تأخيره، فمات شيخ الخدام إينال الإسحاقي و لم يسده، فلما قدمت مصر عام سبع و ثمانين و ثمانمائة أنهيت للسلطان أن الطابق لم يسد، و خشيت أن يغضب بسبب ذلك على بعض الناس، فاعتذرت بأن موجب التأخير وفاة شيخ الحرم، فبرزت مراسيمه الشريفة لشيخ الحرم و متولي العمارة الشمس بن الزمن بسده بالبناء، بحيث لا يفتح أبدا، و كان المعاكس في هذا الغرض قد أمال متولي العمارة إليه مع ما سبق في الفصل الثامن و العشرين من إيغار صدره مني، و كان هذا الطابق قد احترق و ارتدم بعد أمر السلطان بسده في حريق سنة ست و ثمانين و ثمانمائة، و أثرت النار في قبره تأثيرا عظيما، فأعاده متولي العمارة و أحكمه، و جعل له بابا، فلما وردت عليه المراسيم الشريفة بما سبق على يديّ أجاب بأنه يراجع السلطان في ذلك لأن تلك الدور صارت له.
ثم إن شيخ الحرم أنهى إلى السلطان ذلك، فبرزت المراسيم الشريفة بسده و اللوم على تأخيره مع تكرر الأمر بذلك، فأمره متولي العمارة بتأخير ذلك ليراجع السلطان فيه، و قال:
إنه يجعل تلك الدور مزارات ليتم له ما أراده من بقاء ذلك الطابق، و تعجب الناس من إقدامه عليه، ثم بلغ السلطان ذلك مع أمور يطول شرحها؛ فغضب غضبا شديدا و برز مرسومه بسده و الوعيد التام على تأخيره، فسده شيخ الحرم بالبناء المحكم من خارج المسجد، و نزع باب طابقه، و ردمه بالأتربة حتى ساوى أرض المسجد، و لم يبق له أثر، و ذلك في رابع