وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٩ - مساحة المنبر
الذي كانت القوائم مثبتة به، و ما وصفه المؤرخون في أمر المنبر الأصلي شاهد لذلك، و معلوم أن الحوض الموجود في باطن تلك الدكة لا يمكن وضع المنبر فيه إلا على الاستقامة، سيما و قد طابقت سعته ما ذكره ابن جبير في سعة المنبر الأصلي، و إحكام تلك الدكة بحيث إنهم حفروا منها قرب القامة، و لم يدركوا آخرها، و إتقان فرضتي الحوض المذكور بالرصاص، و ترخيم تلك الدكة قديما، كله قاض بجعل السلف لها من أجل وضع المنبر فيها، كما صرح به المؤرخون، و لم يكن السلف مع عظيم إتقانهم يجعلونها لوضع المنبر و يحرفونها عن وضعه؛ لأن وضعها تابع لوضعه إذ جعلت من أجله، و قد كان وضعه مشاهدا لهم؛ لوجود المنبر النبوي بين أظهرهم و إتقانها و ما سبق من المتقدمين في ذكر ترخيمها شاهد بعملها في عمارة عمر بن عبد العزيز للمسجد إن لم يكن من زمن معاوية (رضي الله عنه) عند تحريكه المنبر كما سبق، و لم أرتب عند مشاهدتها في وضع المنبر بها كذلك، و تيامن حوضها الذي كان المنبر به يسير جدا لا يخرج صدر المستقبل عن القبلة، و قد أشار يحيى فيما قدمناه عنه في التنبيه الثالث إلى تصويب وضعه، و أيضا فقد يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) وضعه متيامنا لما أوضحناه في الرسالة الموسومة بالنصيحة، و المنبر جماد ليس بمصل حتى يحرر أمره في الاستقبال و يترك ما وجد من حدوده الأصلية المجمع عليها في الأعصر الماضية المترتب عليها حدود الروضة الشريفة، فشرعوا في وضع رخام المنبر المذكور على النحو الذي ذكرته، غير أنهم جعلوا جداره من جهة القبلة على الأحجار التي خلف الحوض من جهة القبلة؛ لاقتضاء نظرهم ذلك، و لو كان لي من الأمر شيء ما وافقت عليه.
ثم وقع من بعض ذوي النفوس ما أوضحناه في الرسالة الموسومة (بالنصيحة الواجبة القبول، في بيان وضع منبر الرسول) (صلّى اللّه عليه و سلم).
و الحاصل: أنهم نقضوا ما سبق، و زادوا خلف أحجار الحوض المذكور نحو ربع ذراع العمل حتى ساوى ذلك محل المنبر المحترق من جهة القبلة، و حرفوه على تلك الدكة لجهة المغرب أزيد من تحريف المنبر المحترق، و جعلوا هذا المنبر في محل المحترق من جهة القبلة و مساو لطرفها الشرقي مما يلي القبلة أيضا، و زعموا أنه لا يعول على كلام من قدمناه من الأئمة، و يتحرر مما سبق أنه مقدم على محل المنبر الأصلي لجهة القبلة بعشرين قيراطا من ذراع الحديد، و هو نحو ذراع اليد، و أن المنبر النبوي لم يقع في محله نغير إلا من تاريخ وضع المنبر المحترق في زماننا لأنه خفي على واضعه ما في جوف الدكة المذكورة، و لم يدركه أحد من مؤرخي المدينة، و كان مفرط الطول بحيث كان قاطعا للصف الباقي من الروضة، و قد اقتدى به واضع هذا المنبر لكونه من آبائه، و لم يبال ولي الأمر بتفويته المنقبة العظيمة في إعادة وضع منبر الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) على ما كان عليه، و هذا المنبر- أعني الرخام- أقصر من امتداد المنبر المحترق في الأرض بنحو ثلاثة أرباع ذراع، و عدد درجه مع مجلسه كالمحترق، و محل عود