وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٦٢ - المقصورة الدائرة على الحجرة
المواسم؛ فإنه مع هذا الاتساع ينخنق المكان بالخلق، فكيف لو ضيق بحيث يتصل الدرابزين بجدار الحجرة؟ لا يقال: إنه كان يتسع من جهة المشرق للزائرين؛ لأن الناس إنما يقصدون هذه الجهة لكون الرأس الشريف هناك، و ليكون الابتداء بالتسليم على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) دون أن يتخطوا الشيخين (رضي الله عنهما)، فتأمل ذلك فإنه صحيح. قال: و هذه الكيفية لا مزيد عليها في الحسن، و لم يتعطل شيء من الروضة بسبب ذلك، بل بسبب كسل المصلين، و قد رأيت جماعة من الخدام يصلون داخل الدرابزين أيام الجمعة، انتهى.
قلت: و ما ذكره صحيح بالنسبة إلى زمنه؛ فإن الباب المذكور كان مفتوحا في سائر الأوقات. و قد نبه على ذلك ابن جماعة في منسكه، محاولا غلقه في المواسم فقط، فقال: إن هذا الدرابزين حجر طائفة من الروضة الشريفة مما يلي بيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و صار ما بين الحجرة و الدرابزين مأوى للنساء بأولادهن الصغار في أيام المواسم، و ربما قذر الصغار فيه، و قد تحدثت مع الملك الناصر (رحمه الله) لما حج و زار سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة في غلق الدرابزين أيام الموسم، فسكت لما ذكرته، و لم يجبني بشيء، و هذا من أهم ما ينظر فيه، انتهى. فحدث بعد ذلك غلق الأبواب كلها دائما، و لا يفتح منها شيء إلا في وقت إسراج القناديل و نحوه، و لا يدخل لذلك إلا بعض الخدام و الفراشين أو بعض من له وجاهة بإذن شيخ الخدام، فيدخل للزيارة ليلا، و تحقق بسبب ذلك تعطيل تلك البقعة، و حرم الناس التبرك بأسطوان السرير؛ فإن محله في شرقي أسطوانة كما تقدم، و كذلك الوقوف للزيارة في موقف السلف بينها و بين الحجرة الشريفة أو على نحو أربع أذرع من جدار القبر على ما يأتي بيانه، و كذلك التبرك بمربّعة القبر و مقام جبريل كما قدمناه، و بيت فاطمة (رضي الله عنها)، فإن ذلك كله في جوف المقصورة، بل كانت هذه المقصورة سببا لما هو أعظم من ذلك و أطم، و هو ابتناء دعائم القبة المتقدم ذكرها بأرضها، فإنها صارت عند العوام بل و عند من لا إحاطة له بأحوال المسجد أنها ليست من المسجد، بل من الحجرة، فعاملوها معاملة غير المسجد، و لما وقعت المفاوضة في عملها صرّحت بتحريم ذلك، فأشار بعضهم بعمل القبة المذكورة على رءوس الأساطين من غير بناء، ثم رجعوا عن ذلك و أنا غائب بمصر.
و سبب غلق الأبواب المذكورة أن النجم بن حجي قاضي الشام لما حج في الموسم الشامي رأى ازدحام الناس بذلك المحل و ما أشار إليه ابن جماعة فيما تقدم عنه، فأفتى بغلقها،
و خالفه الولي العراقي عند قدومه مع الحاج المصري فأفتى بفتحها. و أخبرني بعض مشايخ الحرم أن ذلك كان في سنة اثنين و عشرين و ثمانمائة و أن الحال استمر على ما أفتى به الولي العراقي، فلما ولي النجم بن حجي ديوان الإنشاء تسبب في بروز المراسيم السلطانية