وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٢١ - بقي بعدها موضع قبر
عنه أن القبر جثوة [١] مرتفعة مسنّمة غير شديدة الارتفاع، عليها قزع من حصىّ و تربة طيبها اللّه عز و جل. و روى ابن سعد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان نبيث [٢] قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) شبرا.
و يؤيد التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي ثم قال:
سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يأمر بتسويتها.
بقي بعدها موضع قبر
و قد تقدم في الرواية الرابعة أنه بقي بعد القبور الشريفة موضع قبر، و يؤيده ما روي أن عائشة (رضي الله عنها) أرسلت إلى عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت: أن هلم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و إلى أخويك، فقال: ما كنت مضيقا عليك بيتك، الخبر الآتي في ذكر قبره، و كذلك ما سيأتي في إذنها للحسن أن يدفن عندها، و منع بني أمية له. و كذلك ما في صحيح البخاري عن هشام بن عروة أن عائشة أوصت عبد اللّه بن الزبير: لا تدفنني معهم:
أي النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و صاحبيه، و ادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكى به أبدا. و قد أخرجه الإسماعيلي و زاد فيه: و كان في بيتها موضع قبر، و لكن في الصحيح أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لما أرسل إلى عائشة فسألها أن يدفن مع صاحبيه قالت: كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم على نفسي.
قال الحافظ ابن حجر: فكأن اجتهادها في ذلك تغيّر، أو لما قالت ذلك لعمر كان قبل أن يقع لها قصة الجمل، فاستحيت بعد ذلك و إن كانت زوجته (صلّى اللّه عليه و سلم) في الدنيا و الآخرة كما قاله عمار أحد من حاربها، انتهى.
و قال ابن التين: كلامها في قصة عمر يدل على أنه لم يبق ما يسع إلا موضع قبر واحد، فهو يغاير قولها «لا تدفنني عندهم» فإنه يشعر بموضع للدفن، و الجمع بينهما أنها كانت تظن أولا أنه لا يسع إلا قبرا واحدا، فلما دفن [عمر] ظهر لها أن هناك وسعا لقبر آخر، أو أن الذي آثرته به المكان الذي دفن فيه من وراء قبر أبيها بقرب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و ذلك لا ينفي وجود مكان آخر في الحجرة.
و روى يحيى بسنده إلى عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد اللّه بن سلام عن أبيه عن جده قال: يدفن عيسى بن مريم مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و صاحبيه، و يكون قبره الرابع.
و في سنن الترمذي من طريق أبي مودود عن عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد اللّه بن سلام عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة صفة محمد و عيسى ابن مريم
[١] الجثوة: الكومة من تراب و حصى.
[٢] النبيثة: تراب البئر و النهر. (ج) نبائث. و المراد أن الماء الذي حول القبر مقدار الشبر.