مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ١٩٦ - ٣٢ كتابه
قال ابن عبد ربّه في العِقد الفريد، و كتب إلى ابنه محمَّد ابن الحنفيَّة، ثُمَّ نقل فصلًا قد يشابه في بعض الجملات ما ذكره المصنّف (رحمه الله) عن الفقيه، و نحن ننقله هنا تتميماً للفائدة، و إكثاراً للعائدة:
كتب إلى ابنه محمَّد ابن الحنفيَّة:
«أن تَفَقَّه في الدِّينِ، وعَوِّد نفسَكَ الصَّبرَ علَى المكروهِ، وكِلْ نفسَكَ في أمورِكَ كُلِّها إلى اللَّهِ عز و جل، فإنَّك تَكِلُها إلى كَهْفٍ. وأخْلِصْ المسألَةَ لِرَبِّك، فإنَّ بِيَدِهِ العَطاءَ والحِرمانَ، وأكثِرِ الاستخارَةَ لَهُ، واعلَمْ أنَّ مَن كانَت مَطِيَّته اللَّيلَ والنَّهارَ فإنَّه يُسار بهِ وإنْ كانَ لا يَسِيرُ، فَإنَّ اللَّهَ تعالى قَد أبى إلّاخَرابَ الدُّنيا وعِمارَةَ الآخِرَةِ.
فإن قَدَرتَ أن تَزْهَدَ فِيها زُهْدَك كُلَّهُ فافعَلْ ذلِكَ، وإن كُنتَ غَيرَ قابِلٍ نَصِيحَتِي إيَّاكَ، فاعلَم عِلْماً يقيناً أنَّك لن تَبْلُغ أملَكَ، ولا تَعْدو أجلَكَ، وأنَّك في سَبِيلِ مَن كانَ قَبْلَكَ، فَأَكرِمْ نفسَكَ عَن كُلِّ دَنِيَّةٍ، وإن ساقَتكَ إلى الرَّغائِبِ، فَإنَّكَ لن تَعتاضَ بِما تَبْذُلُ مِن نَفسِكَ عِوَضاً، وإيَّاكَ أن تُوجِفَ بِكَ مَطايا للطَّمعِ، وتَقولُ: متى ما أُخِّرت نَزَعتُ، فإنَّ هذا أهْلَكَ مَن هَلكَ قَبْلَكَ.
وأمسِكْ عَليكَ لِسانَكَ، فإنَّ تَلافِيك ما فَرَطَ مِن صَمْتِكَ أيْسرُ علَيكَ مِن إدراكِ ما فاتَ مِن مَنْطِقِكَ، واحفَظْ ما في الوِعاءِ بشَدِّ الوِكاءِ، فحُسْنُ التَّدبِيرِ مَعَ الاقتصادِ أبْقى لَكَ مِنَ الكَثيرِ مَعَ الفَسادِ، والحُرْفَةِ [١] مع العِفَّةِ خيرٌ مِنَ الغِنى مَعَ الفُجُورِ، والمَرْءُ أحفظُ لِسِرّهِ، ولَرُبَّما سَعَى فيما يَضُرُّهُ.
وإيَّاكَ والاتّكالَ علَى الأمانِي، فإنَّها بضائِعُ النَّوكَى [٢]، وتُثَبِّطُ عَنِ الآخِرَةِ
[١] الحُرْفة: الضيق و الإقلال.
[٢] النوكى- بالفتح كسكرى-: جمع أنوك، أي الأحمق.