مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٨٧ - ٢٠ كتابه
فقالت: اكتب إلى عليّ بن أبي طالب من عايشة بنت أبي بكر، أمَّا بعدُ.
فإنِّي لسْتُ أجهَلُ قَرابَتَك من رسول اللَّه، ولا قدَمَك في الإسلام، ولا غَناءَ ك من رسول اللَّه، وإنَّما خرَجْتُ مُصْلِحةً بين بَنِيَّ، لا أُريدُ حرْبَكَ إن كفَفْتَ عَن هذينِ الرَّجُلَينِ. في كلامٍ لها كثيرٍ، فلَمْ أُجِبْها بِحَرْفٍ، وأخَّرْتُ جوابَها لقتالِها.
فلَمَّا قضَى اللَّه لِي الحُسْنى سِرْتُ إلى الكُوفَة، واسْتَخْلَفْتُ عبد اللَّه بن عبَّاس على البصرة؛ فقَدِمْتُ الكوفةَ وقد اتَّسَقَتْ لي الوُجُوه كلُّها إلَّاالشَّام، فأحْبَبْتُ أنْ أتَّخذَ الحُجَّةَ وأقْضِي العُذْرَ، أخَذْتُ بقول اللَّه تعالى: «وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَام نبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ الْخَآِنِينَ» [١].
فبَعَثْتُ جَرِيْربن عبد اللَّه إلى معاويَة مُعْذِراً إليْه، متَّخذاً للحجَّة علَيْه، فرَدَّ كتابِي وجَحَدَ حقِّي ودَفَعَ بَيْعَتِي، وبَعَثَ إليَّ أَنِ ابْعَثْ إليَّ قَتَلَةَ عُثمانَ، فبعثْتُ إليه: ما أنْت وقتلَةَ عثمان، أوْلادُهُ أوْلى بِهِ، فادْخُل أنْتَ وهُمْ في طاعَتِي، ثُمَّ خاصِمُوا القوْمَ لأحْمِلَكُم وإيَّاهُم على كتابِ اللَّهِ، وإلَّا فَهذِهِ خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عن رِضاع المَلِيِّ، فلمَّا يَئِس من هذا الأمر، بعَثَ إليَّ: أَنِ اجعَلْ الشَّام لي حياتَكَ، فإنْ حدَثَ بِكَ حادِثٌ من الموْت لم يكن لأحَدٍ عليَّ طاعَةٌ، وإنَّما أرادَ بِذلِكَ أنْ يخْلعَ طاعَتِي من عُنُقِهِ، فأبيْتُ علَيْه.
فبعَثَ إليَّ: أنَّ أهلَ الحِجازِ كانوا الحُكَّامَ على أهْلِ الشَّامِ، فلمَّا قتلوا عثمان صار أهلُ الشَّام الحُكَّام على أهْلِ الحِجازِ. فبعثْتُ إليْه: إنْ كنتَ صادِقاً فَسَمِّ لِي رَجُلًا من قُرَيْش الشَّام تحلُّ له الخِلافَةُ، ويُقْبَل في الشُّورى، فإنْ لم تجِدْه سمَّيْتُ لَكَ من قريش الحِجاز مَن يَحِلُّ له الخِلافَة ويُقْبَل في الشُّورى.
ونظَرْتُ إلى أهل الشَّام، فإذا هُم بَقِيَّةُ الأحزابِ فَراشُ نارٍ، وذِئابُ طَمَعٍ تجمَّع
[١] الأنفال: ٥٨.