منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٢٠ - المقصد الثالث
مصنوعاته و مجانسة مخلوقاته و هو قوله:
التفات من الغيبة إلى الخطاب (و أشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك و تلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك و لم يباشر قلبه اليمين بأنّه لا ندّ لك) و لا يخفى ما فيه من المحسّنات البيانيّة.
أوّلها أنّه ٧ غيّر اسلوب الكلام و التفت من الغيبة إلى الخطاب على حدّ قوله تعالى: إيّاك نعبد، لأنّ الكلام إذا نقل من اسلوب إلى اسلوب آخر كان أحسن تطرئة لنشاط السّامع، و أكثر ايقاظا للاصغاء إلى ذلك الكلام.
تشبيه [و أشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك و تلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك و لم يباشر قلبه اليمين بأنّه لا ندّ لك] و ثانيها أنّ التشبيه يعتمد على أركان: المشبّه، و المشبّه، و المشبّه به، فالمشبّه في هذا المقام هو القايس له سبحانه على خلقه، و المشبّه هو اللَّه العزيز المتعال، و المشبّه به في الحقيقة هو الخلق المتباينة الأعضاء و المتلائمة حقاق المفاصل إلّا أنه ٧ جعل المشبّه به تباين الأعضاء و تلاحم الحقاق تعريضا على ذمّ المشبّه و توبيخه، و تنبيها على غلطه في تشبيهه، و ذلك لأنّ تباين الأعضاء و تلاحمها من لوازم المشبّه به، و هما مستلزمان للتركيب و اجتماع المفردات المستلزمين للافتقار إلى المركب و الجامع، فمن كان ملزوما للحاجة و الافتقار كيف يجوز أن يشبه به العزيز الغني المتكبر الجبّار، فجعلها نفس المشبّه به تنبيها على كونهما بمنزلة الوسط في لزوم التركيب للمشبّه به الحقيقي حتّى يظهر بذلك تقدّسه عن التّشبه به.
و ثالثها أنّه وصف المفاصل بكونها محتجبة معلّلا احتجابها بأنه من تدبيرات حكمته تعالى و مقتضياتها، و ذلك لأنها لو لم تحتجب و خلقت بارزة عريّة عن الغطاء و الغشاء ليبست رباطاتها و قست فيعذر تصرّف الحيوان بها كما هو الآن مضافا إلى كونها معرضة للآفات المفسدة لها و غير ذلك من خفيّ تدبيره و لطيف حكمته.
و رابعها أنه ٧ شهد في حقّ المشبّهة بعدم عقد ضميرهم المكنون على معرفة اللَّه سبحانه و عدم اعتقادهم و يقينهم بأنه لا مثل له تعالى، و إنّما عبّر عن عدم اليقين