منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١١٦ - الفصل الاول
قال بعض العارفين: هو الآخر بمعنى أنه غاية القصوى تطلبها الأشياء و الخير الأعظم الّذي يتشوّقه الكلّ و يقصده طبعا و إرادة، و العرفاء المتألّهون حكموا بسريان نور المحبّة له و الشوق إليه سبحانه في جميع المخلوقات على تفاوت طبقاتهم و أنّ الكاينات السّفلية كالمبدعات العلويّة على اغتراف شوق من هذا البحر العظيم و اعتراف شاهد مقرّ بوحدانيّة الحقّ القديم.
فهو الأوّل الذي ابتدء أمر العالم حتّى انتهى إلى أرض الأجسام و الأشباح و هو الآخر الذي ينساق إليه وجود الأشياء حتى يرتقى إلى سماع العقول و الأرواح و هو آخر أيضا بالاضافة إلى سير المسافرين، فانهم لا يزالون مترقّين من رتبة إلى رتبة حتى يقع الرجوع إلى تلك الحضرة بفنائهم عن ذواتهم و اندكاك جبال هويّاتهم، فهو تعالى أوّل من حيث الوجود، و آخر من حيث الوصول و الشهود، و قيل أوليّته أخبار عن قدمه و آخريّته اخبار عن استحالة عدمه.
و في الكافي بإسناده عن ميمون البان قال: سمعت أبا عبد اللَّه ٧ و قد سئل عن الأوّل و الآخر فقال ٧: الأوّل لاعن أوّل قبله و لا عن بدىء سبقه، و الآخر لا عن نهاية كما يعقل عن صفات المخلوقين و لكن قديم أوّل آخر لم يزل و لا يزول بلا بدىء و لا نهاية لا يقع عليه الحدوث و لا يحول من حال إلى حال، خالق كلّ شيء و يأتي إنشاء اللَّه شرح هذا الحديث في شرح الخطبة المأة.
(لا تقع الأوهام له على صفة) أراد ٧ أنه لا تناله الأوهام و لا تلحقه فتقع منه على صفة إذ الوهم لا يدرك إلّا ما كان ذا وضع و مادّة، فأمّا الأمور المجرّدة عن الوضع و المادّة فالوهم ينكر وجودها فضلا أن يصدق في اثبات صفة لها، و الباري سبحانه مع بساطه ذاته و تجرّده ليس له صفة زايدة حتّى يدركه الأوهام أو تصفه بصفة، و قد مرّ بعض القول في ذلك في شرح الفصل الثّاني من الخطبة الاولى.
(و لا تعقد القلوب منه على كيفيّة) إذ ليس لذاته تعالى كيفيّة حتّى تعقد عليها القلوب فلا يعرف بالكيفوفية، و تحقيق ذلك يتوقّف على معرفة معنى الكيف فنقول: إنّ الكيف كما قيل هي هيئة قارّة في المحلّ لا يوجب اعتبار