منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٤٢ - الاول فى الكذب
العقل للهوى و ذكر الآخرة لذكر الدّنيا واضح لاغبار عليها كما قد مضى مفصّلا في شرح الخطبة الثّانية و الأربعين.
(فاكذبوا الأمل) بكثرة ذكر الموت و دوام اخطاره بالبال في الأيام و اللّيال، و ملاحظة أهوال المعاد و شدايد يوم التّناد، فانّ ذلك يوجب ردّ الأمل و تكذيبه.
و إنّما سمّى ردّ الأمل تكذيبا له، لأنّ النفس حال تمنّيها للمأمول تحكم حكما و هميّا بنيله و إدراكه، فاذا رجعت إلى صرف العقل و جوّزت بحكمه إمكان نزول الأجل قبل بلوغ الأمل كان تجويزها ذلك مكذّبا لما جزم به الوهم من الأحكام ورادّا له عن ذلك.
و علّل تكذيبه بقوله (فانّه غرور و صاحبه مغرور) يعني أنّ الأمل موجب للغرور و الغفلة و لا أصل له و لا حقيقة إذ ربّ شيء تأمله النّفس تنقطع دونه فهو في الحقيقة و نفس الأمر:
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ.
تذنيبان
الاول فى الكذب
و قد مرّ شطر من الكلام في قبحه عقلا و شرعا مع طائفة من الأخبار الواردة فيه في شرح الكلام الثالث و الثمانين، و أردنا هنا اشباع الكلام فيه و في تفصيل أقسامه و أحكامه.
فأقول: إنّ الكذب من قبايح الذّنوب و فواحش العيوب و يترتّب عليه من المفاسد الدّينية و الدّنيويّة ما لا يحصى، مثل كونه خرّابا للايمان، و جلّا بالسخط الرّحمن، و موجبا لاهراق الدّماء و انتهاب الأموال، و باعثا على تحليل الفرج