منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٢ - المعنى
الأحكام الشّرعيّة و التّكاليف الالهيّة (مستكبرا) و متعنّتا (و خبط) أى سلك و سار على غير هداية (سادرا) لا يبالى ما صنع استعاره مرشحة- تشبيه بليغ (ماتحا في غرب هواه) شبّه الهوا بالغرب لأنّ ذي الغرب إنما يستسقى بغرب الماء ليروى غلله و كذلك صاحب الهوى يجلب بهواه ما تشتهيه نفسه و تلتذّ به و تروى به غليل صدره و ذكر المتح ترشيح للتشبيه.
و أمّا ما قاله البحراني من أنّه استعار الغرب لهواه الذي يملاء به صحايف أعماله من المآثم كما يملاء ذو الغرب غربه من الماء و رشح تلك الاستعارة بذكر المتح فليس بشيء، أمّا أوّلا فلأنّ طرفي التشبيه مذكور في كلامه ٧ فكيف يكون استعارة بل هو تشبيه بليغ، و أمّا ثانيا فلأنّ الهوى الذي يكون سببا لملاه صحايف الأعمال لا ربط له بالغرب الذي يملاء فيه الماء إذ المملوّ بالماء هو الغرب و المملو بالمآثم هو الصحايف لا الهوا نفسه، و كذلك لا مناسبة بين الاثم و الماء و الوجه ما ذكرناه فافهم جيّدا.
و قوله (كادحا سعيا لدنياه) أى كان سعيه و همّته من جميع جهاته مقصورة في دنياه غير مراقب بوجه لآخرته (في لذّات طربه و بدوات اربه) أى حاجته التي تبدو له و تظهر و تختلف فيها آرائه و دواعيه (لا يحتسب رزيّة و لا يخشع تقيّة) يعني لم يكن يظنّ أن ينزل عليه مصيبة و لم يكن يخشع و يخاف من اللّه لأجل تقيّة و ذلك من فرط اغتراره بالدّنيا و شدّة تماديه في الشّهوات.
(فمات في فتنته) أى في ضلالته (غريرا) و مغرورا (و عاش في هفوته) و زلّته زمانا (يسيرا) قليلا (لم يفد عوضا و لم يقض مفترضا) أى لم يستفد و لم يكتسب من الكمالات و الخيرات عوضا ممّا أنعم اللّه سبحانه به عليه، و لم يأت شيئا من الطاعات و التكاليف التي فرض اللّه تعالى عليه.
(دهمته فجعات المنيّة في غبّر جماحه و سنن مراحه) يعني فاجأته دواهى الموت في بقاياى كوبه هواه و في طرق نشاطه (فظلّ سادرا) متحيّرا (و بات ساهرا في غمرات الآلام)