منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٣٠ - المعنى
الخطيئات فقال:
(فليعمل العامل منكم في أيّام مهله قبل إرهاق أجله) و هو أمر بالمبادرة إلى العمل قبل حلول الأجل، لأنّ الموت إذا حلّ ارتفع التّكليف و بطل، فليبادر في أيّام المهل قبل أن يحلّ الموت و ينزل و قبل أن يحول بينه و بين العمل.
(و في فراغه) من شدايد الأهوال (قبل أوان شغله) بفجايع الآجال (و في متنفّسه) أى سعة نفسه و خلاقه[١] (قبل أن يؤخذ بكظمه) و خناقه[٢] (و ليمهّد لنفسه و قدمه) قبل أن لا ينفعه ندمه (و ليتزوّد من دار ظعنه) و رحلته (لدار إقامته) و محلّ فاقته، و إنّما أمر بذلك لأنّ سفر الآخرة مهول و السّبيل طويل و الخطر جليل فمن لم يمهّد لنفسه زادا يتقوّى به و لا لقدمه محلا يضعها عليه مع حزونة الطّريق و خشونته صعب له الوصول إلى المحلّ بل تاه في المهامه[٣] و ضلّ.
(فاللّه اللَّه عباد اللَّه فيما استحفظكم من كتابه) و طلب منكم تدبّر ما فيه من تكليفه و خطابه (و استودعكم من حقوقه) المؤدّية إلى ثوابه و عقابه (فانّ اللَّه سبحانه لم يخلقكم عبثا) لعبا (و لم يترككم سدى) هملا كالابل الرّتاع و الجمل الرّعاع، و انّما خلقكم على وجه الحكمة و الصّواب و جعلكم عاقلا قابلا للتّكليف و الخطاب لتستفيدوا محاسن الآداب، و تنافسوا في المكارم، و تسارعوا في المغانم و تحصّلوا المعارف و الطّاعات، و تنتهوا عن المعاصي و السّيئات.
فانه قد نصب لكم أعلام الهدى (و لم يدعكم في جهالة و لا عمى) فمن خبط بعد ذلك و طغى فقد ضلّ و غوى، و من أطاع فاتّقى فلسوف يعطيه ما يرضى و (قد سمّى آثاركم) خيرها و شرّها و رفع أخباركم نفعها و ضرّها (و علم أعمالكم) صغيرها و كبيرها (و كتب آجالكم) طويلها و قصيرها (و أنزل عليكم الكتاب
[١] الخلاق بالفتح النصيب.
[٢] و الخناق بالكسر والضمّ الحلق منه
[٣] أى المفازة جمع مهمه