منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٨ - المقصد الثاني
و المقصود اقرار الخلايق و اعترافهم بالاحتياج و الافتقار إلى أن يقيمهم و يجبر فاقتهم بقدرته و قوته الماسكة التي تمسك السّماء و الأرض أن تزولا، و اعتراف بعضهم بلسان الحال و بعضهم بلسان الحال و المقال.
(ما دلّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته) أى أرانا من ملكوت القدرة و آثار الحكمة و اعتراف الموجودات بالحاجة دليلا وافيا و برهانا كافيا دلّنا على معرفته سبحانه، بسبب قيام الحجّة له تعالى بالضّرورة و البداهة.
و بعبارة اخرى أرانا ممّا ذكر ما كان لنا دليلا على معرفته من أجل ضرورية الحجة القائمة له على الخلايق في باب المعرفة و بداهتها (و ظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته و أعلام حكمته) أى ظهرت في الحوادث البديعة المعجبة التي أحدثها و أوجدها آثار تدلّ على صانعيّته و علامات يستدلّ بها على حكمته (فصار كلّ ما خلق) في الأنفس و الآفاق (حجّة له و دليلا عليه و إن كان خلقا صامتا) لأنّ افتقاره الذاتي دليل على حاجته إلى المؤثر المبدع و إن لم يكن مفصحا عنه بلسانه، إما لعدم كونه ذا لسان كالجماد و النبات؛ و إما لكفره و إلحاده كبعض أفراد الانسان.
(فحجّته بالتّدبير ناطقة و دلالته على المبدع قائمة) يحتمل رجوع الضمير في حجّته و دلالته إلى الخلق الصامت، و يحتمل رجوعه إلى اللَّه سبحانه، و الثاني أظهر، و المراد أنّ حجّته تعالى ناطقة بكونه مدبّرا، و دليله قائم على كونه مبدعا مؤثّرا.
فحاصل الكلام و فذلكة المرام أنّ في ما أبدعه سبحانه في عالم الكون و أحدثه في الأنفس و الآفاق شواهد متظاهرة و آيات متناصرة ناطقة بلسان حالها مفصحة عن جلالة بارئها، معربة عن كمال حكمته و تدبيره فيها، منادية لأرباب القلوب بنغماتها، قائلة:
أ ما تراني و ما ترى صورتي و تركيبي و صفاتي و منافعي و اختلاف أحوالى و كثرة فوائدي، أ تظنّ أنى خلقت بنفسي أو خلقني أحد من جنسي، و فعلت هذه الأفاعيل و ما يترتّب عليها من المنافع بطبعي و ذاتي؟