رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣١٧ - الرحلة من ماردين إلى حلب عبر ديار بكر
سوى امرأة واحدة، و لا يملك جوار يكلفّن غيره من الباشاوات مبالغ طائلة، لكن زوجته هي أخت السلطان و قد طاب لها أن تبقى في العاصمة، لذا مصاريفها باهظة، و بالكاد يتمكن هو من العيش بطريقة لائقة في مركزه هذا. يقال انه قلما تتبع هذه الاميرات أزواجهن، و يؤكدون أنّ أيّ باشا يتزوج ابنة السلطان، شابة أم عجوزا، و تقيم على بعد مئة فرسخ، لا يتجرأ على الزواج من امرأة، أخرى أو على امتلاك الجواري (*). كما يزعمون أن الباشا يجبر على ترك زوجته حين يتفضل عليه السلطان بتزويجه من اخته أو ابنته، و أنّ إحدى هذه الاميرات زوّجت مرات عدة قبل أن تبلغ و قبل ان تخرج من قصر السلطان. و روى لي هذا الاوروبي قصة تظهر حماقة الاتراك اذ لم يتمكن اهم ضباط السلطان من الابحار في مركب بناه مرتد يوناني، فانقلب فيهم وسط بحيرة و غرقوا جميعا.
يطلق اليونانيون اسم اديسه(Edessa) على اورفه، و يسميها الارمن اديسيه(Edisja) ، و استنادا إلى اليهودي الذي ذكرته آنفا، يسمى كتّاب هذه الامة القدامى، مدينة اورفة اوركاسلوم(Orcaslum) لكن الاتراك يدعون منطقة حكمهم هذه الرها لأن مدينة بهذا الاسم، تهدمت بمعظمها كانت محل اقامة الباشا فيما مضى. إن مدن و مناطق عدة جميلة و خصبة أضحت حاليا قاحلة جرداء و تركت لمدمريها من عرب و اكراد و تركمان. تستخدم اللغة التركية خاصة في ديار بكر و اورفة، في حين أن اللغة الكردية شائعة في الريف بين الموصل و اورفة، و العريبة في ماردين و الموصل. و يتكلم اهل البلاد الذين يسافرون كثيرا، سيّما التجار و المكاريون هذه اللغات الثلاث عادة، و إن كانوا من الارمن فإنهم يتكلمون ايضا لغتهم الام.
في الليلة الاخيرة بتّ عند كاهن ارمني، خارج المدينة كي اتمكن من السفر في صباح اليوم التالي قبل فتح الباب. و بدا مضيفي مرتابا لأنه ظنني كاثوليكيا، لكن حين قلت له اني انكليزي، و قد تعرف في حلب على هذه الامة التي أحبّها كثيرا لأنها لا ترسل المبشرين إلى تركيا، أصبح مهذبا و لطيفا و امر بتحضير عشاء لذيذ و اكلنا معا تحت شجرة. في الاول من شهر حزيران/ يونيو، قطعت ١٤ فرسخا أو حوالي عشرة اميال حتى البير (اللوحةLII )، و صادفت الكثير من الاماكن المهدمة، و لا تعود كلها لقرى، اذ وجدت في أربعة أو خمسة أمكنة، بقايا احجار كبيرة و بالتالي فهي بقايا قلاع أو اصرحة اخرى كبيرة. و لم تسمح لي الظروف بأن أدرس هذه البقايا باهتمام اكبر، و بما ان مرافقي لا يهتم ابدا بأسماء المدن القديمة المدمرة و لم يسلك هذه الطريق إلّا نادرا، لم اتمكن من معرفة اسم واحد من اسماء هذه الاماكن. و في ذاك اليوم، كنت الدليل اكثر من مرة، فقد استعملت في اورفة عن موقع البير، و وجدت استنادا إلى البوصلة انها تقع في الجنوب الغربي، و عند تقاطع الطرق، أخطأ مرافقي مرارا، و لاحظ ان الالة التي احملها تدل على الطريق الصحيح، فأخذ
(*) تاريخ السلطنة العثمانية، الكتاب الاول، الفصلXVI الصفحة ١٧٩ بقلم ريكو(Ricaut) .