رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٦٨ - سير رحلتي من بغداد إلى الموصل
أما اليوم، فيرسل باشا بغداد حاكما إلى بغداد، و يعين هذا الاخير آغا على الطون كوبري.
صباح ١٣ آذار/ مارس، كان منسوب مياه النهر مرتفعا للغاية، و خشيت ان اعبره و اجازف بحياتي و لكنني اضطررت للحاق بالقافلة لأنني ارسلت امتعتي و ساعتي الشمسية مع البغّال. و لما كان رفاقي في السفر قد سبقوني بحوالي ساعة، عبرت النهر برفقة خادمي، الذي كان شديد الخوف، و لحقت بالقافلة في قوس تاب في الطريق، أقبل شيخان نحوي، و في نيتهما نهبي؛ و لما ادركا انني احمل اسلحة نارية، واجيب بجسارة على اسئلتهم حول رحلتي، دون ان تظهر على وجهي بوادر الخوف، لم يتجرآ على توقيفي. شاهدت غربي الطريق جبل كارا جوف الشاهق الذي تكثر فيه بقايا مدن و قرى قديمة، غير ان طريقه محفوف بالمخاطر، لأن سكان هذه الجبال، لا يكترثون للحكومة التركية.
اخذت قرية قوس تاب اسمها عن هضبة صغيرة، و لأول مرة في رحلتي، شاهدت على رأس الهضبة المذكورة مسلما يتلو صلاته. كان العلماء الاوروبيون، يتساءلون ان كانت النساء المسلمات، مرغمات على الصلاة، و ان كنّ يأملنّ بدخول الجنة. فأكدّ لي الشيوخ المسلمون، الذين لاحظوا اهتمامي في هذه المسألة، ان النساء يصلينّ خمس مرات في اليوم، و لا يتوانين ابدا عن تأدية هذا الغرض.
تعرف قرية قوس تاب، بخان عديل. فقد تحولت هذه المنطقة الخصبة، إلى صحراء قاحلة، يقطنها الاكراد الرحل.
و لكن احمد باشا، حفر بئرا في هذا المكان و بنى قربه منزلا مخصصا لراحة سعاة البريد. و لكن ابنته عادلة خاتون شيّدت خانا للمسافرين، و وعدت الفلاحين بمنحهم امتيازات كثيرة ان اقاموا في جواره، في ظهور قرية كبيرة خلال وقت قصير. و هذا يعني انه من السهل جدا على باشاوات الاتراك ان يعمروا مناطقهم الخصبة، و لكنهم لا يقيمون في المناطق الا لفترة قصيرة و يحاولون اثناءها استغلالها قدر المستطاع، فيفرضون ضرائب عالية، دون ان يحاولوا حماية الفلاحين الفقراء من العرب و الاكراد الرحل. فلا عجب اذن ان تتحول اقاليم الامبراطورية التركية إلى مناطق قاحلة و مهجورة.
في ١٤ آذار/ مارس قطعنا ثلاثة أميال و نصف لنصل إلى مدينة اربيل، التي ذاع صيتها بعد معركة الاسكندر و داريوس. حكم الامراء المسلمون الورثة هذه المدينة سنوات طويلة، و امتدت منطقة نفوذهم إلى طوروس في بلاد فارس. و لكن المدينة كانت شاسعة للغاية، و تضم قصرا مبنيا على هضبة مرتفعة. أما اليوم فلم يتبق منها سوى ذلك الحصن المسور، و منازل مبنية من الصلصال (*) من جهة
(*) يعتبر محمد مهدي خان اربيل حصنا منيعا. تاريخ نادر شاه (الطبعة الالمانية) ص ٣٦٤