رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٦٥ - سير رحلتي من بغداد إلى الموصل
الثلاثة الاخيرة. غير اننا شاهدنا في هذه الصحراء، هضابا من التراب و الصلصال على ارتفاع ٣٣ ٥٧ من القطب، في بقعة كانت تقع فيها قديما مدينة قرفة، التي لن يتبق منها الا اسوار صرح عال بناه خليفة، اتخذه مع سماره مقرا له؛ و مما لا شك فيه ان طريق قرية دربلا، تضم انقاضا مثيرة للاهتمام؛ فلسنوات خلت عثر في خان مصبح، على قبة كبيرة، و أضرحة حجرية، تعود إلى زمن الاشوريين أو الفرس القدامى.
منذ اليوم الاول، لاحظت جبن صحابي؛ فقد تعارك عدد من البغالين المسلمين، و أثاروا ضجة كبيرة، فاضطرب اليهود من جراء ذلك، رغم ان عددهم يبلغ أربعة أضعاف عدد المسلمين، و خشوا ان يصبّ هؤلاء الاخرون جام غضبهم عليهم و يسلبوهم مالهم. فتوسل الي احدهم ان اعيره مسدسي، و سألته ان كان يتجرأ على اطلاق النار فأجابني انه يريد وضعه على خصره، دون تلقيمه، كي يخيف من يحاول نهبه فأخرجت مسدساتي لأفرغها من الرصاص، و تجمع حولي اليهود، متوسلين الي ان لا أثير سخط البغالين، و ان لا اطلق النار و ألفت انتباه اللصوص الينا. و تدل هذه القصة على مدى خوف اليهود من المسلمين، مما يعني انهم لن يحاولوا قط حمل السلاح و اعلان الحرب على الاتراك و غزو ارض الميعاد، مهما ازداد عدد رجالهم. فقد حسبوا في تلك الساعة، ان الخطر يحدق بهم رغم ان الوضع لا يدعو للخوف. و بعد ان تعارك البغالون، عادوا و تصالحوا، و تابعنا رحلتنا بسلام.
تقع قرية بانكشا على ارتفاع ٣٤، ٥٢ من القطب و كانت في هذا الفصل شبه خالية من السكان، لأن معظمهم انتقل إلى الخيم ليرعوا ماشيتهم و خاصة النعاج.
قرب دوس حارموت، على مقربة من بانكشار، مناجم ملح و زفت معدني و نفط.
تكثر مناجم الزفت المعدني في هذه المنطقة، و هو يستعمل في (هيت) لطلي السفن من الخارج. أما النفط فهو نادر الوجود؛ و يستبدله السكان بالزبل و زيت الحيتان لإشعال قناديلهم. غير انه تفوح من هذه التربة الصمغية، خاصة في الفصل الحار، رائحة كريهة تمنع الفلاحين من استعمالها في منازلهم. أما المشاعل التي نجدها في منازل باشاوات بغداد و اعيانها، فهي عبارة عن خرق صغيرة تبلل بالنفط و تجفف لاحقا. و الجدير ذكره ان الجمال تفرك بهذا النفط، في فصل الربيع، عند ما ينمو و برها الجديد. و يقال ان هذه المنطقة غنية بالنفط الابيض الذي يستعمل كدواء للانسان. فقد أكدوا لي، ان هذا النفط يتغلغل إلى الجسم، ان سكب على رأس الانسان، و يخرج بعدها من الاصابع و الارجل.
في ٩ اذار/ مارس، و بعد ان احتفل الهنود بالسبت قطعنا أربعة اميال و نصف من بانكشا لنصل