رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٢٧ - الرحلة من البصرة إلى لملوم و مشهد علي، و مشهد الحسين، و الحلة، و بغداد
عدة. عندئذ، قام احد حلفائه، و هو رجل واسع النفوذ و بليغ، و أعلن أن ما من احد يستحق حكم هذه المملكة اكثر من القائد الذي خلصها من الاعداء، و أيّد الجيش هذا الاقتراح، فلم يتجرأ أحد الاعيان على الاعتراض. يقال إن نادر شاه لم يكن يأبه ان عيّن شاها، حتى انه أراد ان يفكر الفرس مليا بهذا الأمر العظيم كي يختاروا أكثر الناس كفاءة كملك عليهم. كما أنه اعترض قائلا انه لا يتمنى حاليا، بعد أن استتب الامن في بلاد فارس، سوى أن يستريح في احدى مناطق خراسان التي سيحتفظ بها لنفسه.
أعاد نادر للمملكة معظم الاراضي التي اقتطعتها الدول المجاورة و سلبها المتمردون، و بالتالي قدّم خدمات جسام للبلاد. فإن استلم العرش، تحافظ بلاد فارس على عظمتها، لكن إن أعيد الحكم للشاه الشرعي أو تمّ اختيار احد الخانات الذين يخضعون لنادر، قد لا يعجب الامر الجيش و يتفرّق فيتقاسم القادة الذين يقودون قبائلهم الخاصة و جندهم المقاطعات في ما بينهم، فاضطر الفرس إلى تسليم العرش لنادر. و بما أنه لم يكن يأبه لخيارهم، تمنى الفرس ان يتعب من الحرب، و أن يبحث عن السلم بصفته شاها، حبا برعاياه، و بانتظار أن يتخذ نادر قراره حول قبول الحكم أو رفضه عاش الجيش و الجموع في قلق.
و لم يكن نادر وحده من اتباع المذهب السني، بل القسم الاكبر من جيشه الذي يضم العديد من الافغان و التركمان و الاكراد و العرب، و يقال ان القائد كان يفضل هؤلاء على ابناء البلد من الشيعة.
و كان هذا الامر يستحق الانتباه عند اختيار ملك من مذهب مختلف، يحيط به العديد من ابناء دينه في جيشه يرأسهم قادتهم الخاصين، لكن هؤلاء لم يهتموا يوما بالدين، و ظن الناس ان نادر يفضلهم لأنهم اعتادوا على العيش في الخيام منذ نعومة أظافرهم و بالتالي هم جنود اشجع و أفضل من الفرس الذين يفضلون العمل بالزراعة و التجارة، و العيش في ترف و رفاه. و لم يظهر نادر، حتى ذاك اليوم، أيّ تعلّق بالدين أو أي تطرف، و جل ما فعله هو اقتلاع كراهية الدين من جيشه و ترسيخ الوحدة بين أفراده، و أمل الفرس ان يبقى متسامحا و هو شاه كما كان و هو قائد للجيش. و أخطأ الفرس في اعتقادهم هذا، اذ إنّ نادر، و بعد أن جعلهم ينتظرون قراره جمع كبار المملكة و أظهر لهم نتائج فرقة الدين الوخيمة، و ذكّرهم بالحرب الدامية التي دارت بين الاتراك و الفرس بسبب هذا الامر، و بوجود العديد من التركمان الشجعان و الاكراد و العرب السنّة في الجيش الذي اخضع المتمردين، و أشار إلى انه لا يجوز ان يحتقر محررو مملكة الفرس و ان يعتبروا كفارا (*)، و أن يسمعوا الاهانات و اللعنات
(*) ساد الاعتقاد نفسه بين اليسوعيين الذين اعتبروا ان ملك الحبشة و رعاياه يمكن ان يصبحوا كاثوليكا الى الابد، لأن البرتغاليين ساندوه مرة في مواجهة جيرانه من المسلمين. رحلة الاب جيروم لوبو الى الحبشة بقلم لوغران.