رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢١٥ - الرحلة من البصرة إلى لملوم و مشهد علي، و مشهد الحسين، و الحلة، و بغداد
عن خدمة المسجد، و لا يمكن ان يقيموا فيها كلهم، اذ ان عددهم يتجاوز المئة، بحسب ما أكدوا لي، و من ضمنهم العديد من الدراويش الذين يعيشون لشدة فقرهم عند مدخل المسجد و يعرضون صلواتهم على الحجاج لقاء مبالغ صغيرة، و قد صدمت حين علمت بالطريقة التي يقرأون فيها الصلوات لقاء صدقة أو على الاصح لدفع الشعب الفقير المتطير إلى التصدّق عليهم.
و تجرأت على الاقتراب من مكان يعتبره السنة و الشيعة على حدّ سواء مقدسا، و لو تصرفت بتهوّر و دخلت المسجد، لربما اجبروني على اعتناق الدين الإسلامي و لم أشأ ارضاء حشريتي بهذا الثمن. لكن رفيق رحلتي و العديد من الشيعة أكّدوا لي أن المسجد يحوي ثروات طائلة، فالقبة مذهبّة و قد كتبت عليها آيات من القرآن بأحرف من خزف، كما كتب على الجدران بأحرف ذهبية كبيرة، و نجد أيضا العديد من الشمعدانات من الفضة و الذهب المرصعة بالاحجار الكريمة.
و يكثر الحديث عن سعر خنجر، كذلك الذي يحمله الهنود في أحزمتهم، معلق على قبر علي المسوّر، و يقال انه مرصع بأحجار كريمة باهظة الثمن، و أن اورنك زيب(Aureng Zeb) (*) أهداه للخليفة الذي اغتيل منذ قرون عدة. و وصفوا لي قطعا أخرى كثيرة في المسجد حتى أني أكاد لا أشك بما يروى عن عربي، بهرته هذا الامور، و حين ذكّروه بوجوب الصلاة، أجاب حقا، إن الأشياء الفاخرة التي زيّنت القبر انستني ذكر اللّه.
و يهتم بهذا الكنز الكبير المتولي (المشرف على المسجد) و الحاكم، كما يرسل باشا بغداد سنويا مسؤولا كبيرا للتأكد من وجود كافة المحتويات. لكن بما ان هؤلاء هم من أهل السنة و من الاتراك، الذين يعرفون قيمة الذهب و الاحجار الكريمة اكثر من أن يتركونها في أماكن مماثلة حيث تلهيهم عن صلاتهم، يعتقد الشيعة انهم يعملون على ابدال القطع الحقيقية بقطع مزيّفة.
و تقع مدينة الكوفة الشهيرة، على بعد خمسة أرباع الميل من مشهد علي إلى الشمال الغربي، في منطقة منخفضة و خصبة، و نجد هنا مجرى كري سعده(Dejare Zaade) (أو بالاكوباس) لكن المياه لا تصل اليه حاليا.
خلت المدينة و محيطها من السكان، أما أبرز ما نجده فيها فهو المسجد الكبير حيث اغتيل علي، كما لم يتبق منها سوى الجدران الاربعة التي رسمتها مع الخارطة على اللوحةXLII ، قرب الحرف (بB ) و يسمى الباب ١، باب الفيل، و رسمت قرب الرقم ٢ صرحا عميقا في الارض و غير مرتفع، يبدو و كأنه خزان مياه و يسميه العرب السفينة. و قد ذكر الدليل، و هو من سكان
(*) اورنك زيب هو امبراطور المغول الذي حكم عام ١٥٢٩ و توفي عام ١٧٠٧ و هو نفسه شاه جهان المعروف في كتب التاريخ. (الانتشار).