رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٠٩ - الرحلة من البصرة إلى لملوم و مشهد علي، و مشهد الحسين، و الحلة، و بغداد
للمسافر الاوروبي في هذه البلاد ليثير ذعر العرب لا ليستخدمها فعليا.
في ١٩ كانون الأول/ ديسمبر، وصلنا لملوم، و هي قرية كبيرة يقيم فيها شيخ قبيلة خزعل، لكنه لا يعيش في منزل أبهى من منازل رعاياه بل في كوخ حقير من قصب. أما الضابط المريض الموجود امام غرفتي، فلم يتوفّه الله، و لم تتحسن صحته و كنت قد مللت رفقته في هذه الرحلة، و علمت أن الدرب آمن نوعا ما عبر الرماحية إلى مشهد علي، و هي مدينة قررت المرور بها من الحلّة، فقررت ترك المركب. و وعدت شيخا مسلما من بغداد بالسفر معي مجانا إلى مشهد علي و مشهد الحسين، فأبدى استعدادا لمرافقتي، و نزولا عند رغبته و رغبة خادمي، و هما من أهل السنة إلى قرية بائسة على الضفة الاخرى للنهر تدعى ماشويرة(Mashwira) . حضّر لي الشيخ كوخا حقيرا بالكاد يتسع لثلاثة اشخاص، و لم يكن منزله افضل حالا أو أكبر لذا لم اشتك منه، لكن الجياد التي وعدني بها لن تصل في اليوم التالي فاضطررت للبقاء ليلة أخرى عنده. و لم يعجبني هذا الرجل لأنه وديّ للغاية و لأنه تفحّص كل ما احمله معي بدقة، و ساورتني الشكوك حوله، فقررنا القيام بحراسة المنزل كل بدوره، و تركنا القنديل مضاء طوال الليل، لكن خادمي لم يكن معتادا على السهر فنام، و لاحظ اللص ذلك، و فيما كان يسرق آلتي الطابعة، استيقظت و أثرت جلبة فسارع الشيخ و أظهر غضبا شديدا من تصرّف كهذا في قريته. و ركض في الحقول وراء اللص كما أرسل الفلاحين إلى نقاط أخرى لكن الجميع عاد خالي الوفاض، و لا أشك أبدا ان الشيخ و اللص واحد، لكن الفطنة تقتضي شكره على سعيه و تقديم هدية صغيرة له. و بما أنه لم يعد يأمل أن يفاجئنا أثناء نومنا، ثم تحضير الجياد للرحيل في اليوم التالي.
و في ٢١ اجتزنا سبعة فراسخ و نصف أو حوالي خمسة أميال و نصف نحو الشمال الغربي حتى الرماحية. و لم أر على هذا الدرب أيّ مسجد لكن الكثير من القبب أو الصروح الصغيرة التي تعلو قبور الاولياء المزعومين، و يحيط بها ما يدل على أن بعض القرى كانت تقوم في المكان. إن كافة الأراضي خصبة، لكن العديد من القنوات الصغيرة التي كانت تروي المنطقة جافة حاليا و قلما نصادف قرى فيها، لكن نرى قطعانا كبيرة من الغنم و الجياد. و قرب الرماحية، هناك قناة كبيرة تتلقى مياهها من الفرات يبعد عنها ميلا و نصف الميل، ثم تعود و تصب فيه قرب السماوة (راجع اللوحةXLI )، و كانت هذه القناة صالحة للملاحة منذ سنوات، لكن المياه لا تجري فيها حاليا إلّا اذا بلغ منسوب المياه في الفرات اعلى ارتفاع له، و ألفيتها أنا جافة تماما.
بنيت مدينة الرماحية في سعة، و تتألف من حوالي ٤٠٠ منزل، يحيط بها سور عال لكنه شيّد من الآجر غير المشوي كما في البصرة و في القرنة، و لا يعمل احد على تصليحه و صيانته فيمكن العبور من خلاله من جهات عدة. و نجد في المدينة مسجدا عظيما و حماما مفتوحا جميلا للغاية،