رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٠٧ - الرحلة من البصرة إلى لملوم و مشهد علي، و مشهد الحسين، و الحلة، و بغداد
- القرنة، تقع عند ملتقى دجله و الفرات، و هي مدينة سيئة البناء، يحيط بها من جهة اليابسة سور مزدوج من الآجر، و هو بناء حديث، اذ علمت في البصرة ان الباشا علي و الباشا حسين شيّداه لصدّ الاتراك و الفرس.
و نجد هنا خمس فرق من الانكشاريين، أما التجارة في المدينة فمحدودة بالرغم من موقعها الجيد، لكن السفن التي تمرّ بها، تضطر إلى التوقف لتدفع ضريبة للانكشاريين. و لم اتمكن من قياس ارتفاع القطب في هذه القلعة، اذ سلمت ضابطا رفيع الشأن رسالة التوصية، فأظهر الكثير من اللياقة و دعاني إلى العشاء في منزله فلم أرفض دعوته. و حين علم بأني اريد التوجه إلى الضفة عند الثانية عشرة لقياس ارتفاع الهاجرة، اضطررت إلى جلب ساعتي الشمسية، التي أريته اياها لإسعاده، لكنه لم ينفك يطلب مني ان اسمح له بالنظر عبر المنظار المقرب، و تكاثرت الطلبات فأصبح عملي من دون جدوى.
- نهر عنتر و هو محل اقامة شيخ قبيلة المنتفق كما أشرت سابقا، و تدفع له السفن ضريبة في تحته(Tachte) حيث لا نجد سوى المنزل الذي يقيم فيه ضباط الجمارك. و منذ سنتين، كانت المراكب الصغيرة المحملة بالتمر تدفع مسلمين (نصف روبية) أما اليوم فتدفع ٥ روبيات.
- المنصورية و هي قرية كبيرة، تدفع رسوم المرور فيها لآغا انكشاريّي القرنة، لكن المركب القادم من البصرة في القرنة يكتفي بإبراز الوصل. و في قرية كوت أو كوت معمر تدفع الرسوم للباشا النقيب في البصرة. أما في العرجة فتدفع لآل صالح احدى ابرز عائلات قبيلة المنتفق. و كان هناك مركز لدفع الرسوم في غرام، لكن منذ أن فرغ المكان من سكانه، تجمع الرسوم في السماوة لآغا الحسكة و بالتالي للاتراك، لكن شيخ قبيلة خزعل يقبض هذه الرسوم حاليا.
و صادفت في جمارك العرجة و السماوة شيوخا و قحين، و إن جاؤوا بأنفسهم لرؤيتي، و لم يهتموا بجواز المرور الذي زودني به متسلم البصرة كما استاؤوا حين أردت اظهار فرمان السلطان الذي أحمله، فارتأيت أن ارضيهم بأي وسيلة كانت، فإن تشاجر مسيحي مع اناس من هذا النوع، و قال كلمة ما اعتبروها إهانة لهم، يجبرونه احيانا على دفع عشرة اضعاف ما يتوجب عليه، فضلا عن أنهم يسخرون منه. و تبنى المنازل في السماوة من الطين المجفف في الهواء الطلق و هي بالتالي سيئة البناء، لكنها تبدو قصورا مقارنة مع أكواخ الفلاحين في هذه المنطقة. و منذ سنوات، مات معظم سكان المدينة بسبب الطاعون الذي تفشى بينهم. و تكثر النمور و الاسود و بنات آوى في الصحراء قرب هذا المكان، كما نجد فيها الكثير من الملح.
و نصادف الكثير من القرى على ضفتي شط العرب و على ضفتي الفرات، من القرنة و من العرجة، و بعيدا عن النهر، بقيت هذه الارض الخصبة غير مزروعة لقلة السكان و الأقنية فيها، و تقوم