رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١٨٦ - ملاحظات حول البصرة
يعرف نبلاء البلاد بالأجلّاء، أما أكثرهم اجلالا فكان في تلك الحقبة الشيخ درويش القوسي، من سلالة عالم شهير، يدعى قوس، بنى جامعا جميلا في هذه المدينة.
ينتمي المفتي الحنفي إلى هذه الطبقة من النبلاء، و يقال ان هذا المنصب لا يشغله إلا العلماء.
غير ان ذلك ليس ضروريا، اذ قد يحل محله نائبا أو وكيلا. من ناحية أخرى تخضع لسلطة نقيب الشرفاء، أو رئيس خلفاء محمد كلهم، المقيمين في هذه المنطقة. لسنوات خلت، اختار سليمان باشا احد الاعيان، كمفت شافعي، فخضع له رئيس الاجل، المدعو سعيد درويش ابن سعيد طالب، الذي كان اجداده يرافقون قديما القوافل إلى حلب، و هو يشغل اليوم منصب قائد للقوافل.
علما انه الاكثر شهرة بين الشيوخ. الذين تمر قوافلهم في هذه المنطقة و يدفعون الجزية له.
يتمتع الاجل بامتيازات كثيرة، علاوة عن أخذ الحاكم بنصائحهم قبل اقدامه على اي عمل كان. فهم لا يدفعون شيئا من أرباح أرضهم، خلافا للرعايا الآخرين الذين يرغمون على دفع الجزى على بساتين البلح، مع العلم انها تشكل مصدر ثروتهم. و يحق لهم ايضا معاقبة الفلاحين، رغم انهم ليسوا عبيدا عندهم. يخضع رجال الدين، و من بينهم ناظر المدرسة و الناسخ، لسلطة المفتي القضائية، كما يخضع الاسياد و الشرفاء لسلطة نقيب الشرفاء القضائية، و هما يملكان سجونا خاصة بهما، يزجان فيها الرعايا الذين يخالفون القانون. عندما يبني احد الاعيان جامعا، تحتفظ ذريته بحق ادارة هذا الجامع و صيانته، مع اعلام الحاكم بذلك. و تعين رجال الدين في الجامع، لكن ان تفنى عائلة باني المسجد، أو يطالب احدهم بحقه في هذا الملك، حتى يتسلم المفتي الايرادات و المصاريف و يتحول بالتالي إلى متول. قال لي معلم اللغة، الذي كان ناسخا ايضا، ان من يقدم التقارير و من يراجعها من بعده، يجنيان امولا طائلة اذ يتقاسمان جزءا من الأرباح. سمعت المتمولين يشتكون من هذا الامر في مدن تركية أخرى، حيث الجوامع تهدمت جزئيا، إذ من الصعب صيانة الجوامع ان لم تتلق دوما مساعدات اضافية.
يتمتع الانكشاريون في البصرة كما في المدن التركية الاخرى، بامتيازات كثيرة، منها عدم معاقبتهم أو حبسهم عند اقترافهم الجرائم، كبار ضباطهم يلازمون القرنة برفقة قادتهم، بينما يعين صغار الضباط في فرقهم، عناصر منحلة، ممن يمارسون اللصوصية و غيرها من الأعمال المخلة بالأمن، و التي تسيء للحاكم و لرعاياه من الطبقة الكادحة. علاوة عن ذلك، لا يتخلى المتطوع عن عمله، و يتقاضى راتبا شهريا، و مبلغا آخر اضافيا لسهره على الأمن العام. غير انني لا أخال الانكشاري يغالي إلى هذا الحد إلا في غياب باشا بغداد. عند وفاة سليمان باشا، لم يستطع الحاكم منع الانكشاريين، من مهاجمة منازل المسيحيين، و المسلمين الذين لم يطلبوا الحماية منهم. و غالبا ما يشتم اعضاء احدى الفرق، المسلمين أو اتباع الديانات الاخرى، الذي طلبوا