ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٤٨ - مصرع الحسين
تعصف بالصبر و تطيش بالألباب.. و هو جهد عظيم لا تحتويه طاقة اللحم و الدم، و لا ينهض به إلاّ أولو العزم من أندر من يلد آدم و حوّاء.
فإنّه رضى اللّه عنه كان يقاسي جهد العطش و الجوع و السهر و نزف الجراح و متابعة القتال، و يلقي باله إلى حركات القوم و مكائدهم، و يدير لرهطه ما يحبطون به تلك الحركات و يتّقون به تلك المكائد، ثمّ هو يحمل بلاءه و بلاءهم، و يتكاثر عليه وقر الأسى لحظة بعد لحظة كلّما فجع بشهيد من شهدائهم، و لا يزال كلّما أصيب عزيز من أولئك الأعزّاء حمله إلى جانب إخوانه و فيهم رمق ينازعهم و ينازعونه، و ينسون في حشرجة الصدور ما هم فيه، فيطلبون الماء و يحزّ طلبهم في قلبه كلّما أعياه الجواب، و يرجع إلى ذخيرة بأسه فيستمدّ من هذه الآلام الكاوية عزما يناهض به الموت و يعرض به عن الحياة.. و يقول في أثر كلّ صريع: «لا خير في العيش من بعدك» [١] ، و يهدّف صدره لكلّ ما يلقاه.
و إنّه لفي هذا كلّه، و بعضه يهدّ الكواهل و يقصم الأصلاب.. إذا بالرماح و السيوف تنوشه من كلّ جانب، و إذا بالقتل يتعدّى الرجال المقاتلين إلى الأطفال و الصبيان من عترته و آل بيته، و سقط كلّ من معه واحدا بعد واحد، فلم يبق حوله غير ثلاثة يناضلون دونه و يتلقّون الضرب عنه، و هو يسبقهم و يأذن لمن شاء منهم أن ينجو بنفسه و قد دنت الخاتمة و وضح المصير.
[١] مقاتل الطالبيين ٧٦، الإرشاد ٢: ١٠٦، إعلام الورى ١: ٤٦٤، البداية و النهاية ٨:
١٥٨.