ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ١٩٢ - شمر بن ذي الجوشن
و الذي نراه نحن من مراجعة الحوادث و الأسانيد أنّ الحسين ربّما اقترح الذهاب إلى يزيد ليرى رأيه، و لكنّه لم يعدهم أن يبايعه أو يضع يده في يده؛ لأنّه لو قبل ذلك لبايع في مكانه و استطاع عمر بن سعد أن يذهب به إلى وجهته، و لأنّ أصحاب الحسين في خروجه إلى العراق قد نفوا ما جاء في ذلك الكتاب، و منهم عقبة بن سمعان حيث كان يقول: «صحبت الحسين من المدينة إلى مكّة و من مكّة إلى العراق، و لم أفارقه حتّى قتل، و سمعت جميع مخاطباته إلى الناس إلى يوم قتله.. فو اللّه ما أعطاهم ما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد و لا أن يسيّروه إلى ثغر من الثغور، و لكنّه قال: دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس» [١] .
و لعلّ عمر بن سعد قد تجوّز في نقل كلام الحسين عمدا؛ ليأذنوا له في حمله إلى يزيد، فيلقي عن كاهله مقاتلته و ما تجرّ إليه من سوء القالة و وخز الضمير، أو لعلّ الأعوان الأمويين قد أشاعوا عن الحسين اعتزامه للمبايعة؛ ليلزموا بالبيعة أصحابه من بعده، و يسقطوا حجّتهم في مناهضة الدولة الأمويّة.
و أيّا كانت الحقيقة في هذه الدعوى فهي تكبّر مأثمة عبيد اللّه و شمر و لا تنقص منها.
و لقد كانا على العهد بمثليهما، كلاهما كفيل أن يحول بين صاحبه و بين خالجة من الكرم تخامره أو تغالب اللؤم الذي فطر عليه، فلا يصدر منهما
[١] تاريخ الطبري ٤: ٦١٤، الكامل في التاريخ ٣: ٢٨٣-٢٨٤، تذكرة الخواص ٢٤٨.